مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٢٥٢ - ٤٧ كتابه
واعظاً، وكان رَسولُ اللَّهِ ٦ كَثيراً ما يُوصِي أصحابَهُ بِذِكرِ المَوتِ فَيَقولُ: أكثِروا ذِكرَ المَوتِ فَإنَّهُ هادِمُ اللَّذَّاتِ، حَائِلٌ بَينَكُم وبَينَ الشَّهواتِ.
واعلمُوا عِبادَ اللَّهِ، أنَّ ما بَعدَ المَوتِ أشدُّ مِنَ المَوتِ لِمَن لَم يَغفِرِ اللَّهُ لَهُ ويَرحَمُهُ، واحذَرُوا القَبرَ وضَمَّتَهُ وضِيقَهُ وظُلْمَتَهُ وغُربَتَهُ، فإنَّ القبرَ يَتكَلَّمُ كُلَّ يومٍ، ويَقولُ: أنا بيتُ التُّرابِ، وأنا بَيتُ الغُربَةِ، وأنا بَيتُ الدُّودِ، والهَوامِّ، والقَبر رَوضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ، أو حُفرَةٌ مِن حُفَرِ النَّارِ، إنَّ المُسلِمَ إذا دُفِنَ قالَت لَهُ الأرضُ: مَرحَباً وأهلًا، قَد كُنتَ مِمَّنْ أُحِبُّ أن يَمشِي علَى ظَهرِي، فَإذا وَلِيتُكَ فَسَتَعلَمُ كَيفَ صُنعِي بِكَ؛ فَيتَّسِعَ لَهُ مدَّ البَصَرِ، وإذا دُفِنَ الكَافِرُ قالَت لَهُ الأرضُ: لا مَرحَباً ولا أهلًا، قَد كُنتَ مِمَّنْ أُبغِضُ أن يَمشِي علَى ظَهرِي، فإذا وَلِيتُكَ فَسَتَعلَمُ كيفَ صُنعِي بِكَ؛ فَتَنضَمُّ عليهِ حَتَّى تَلتَقِي أضلاعُهُ، واعلَمُوا أنّ المَعِيشَة الضَّنْكَ الَّتي قال اللَّه تعالى: «فَإِنَّ لَهُ ومَعِيشَةً ضَنكًا» [١] هِيَ عذابُ القَبرِ، وإنَّهُ لَيُسلّطُ علَى الكافِرِ في قبرِهِ تِسعَة وتسعين تِنّيناً تَنهَشُ لَحمَهُ حَتَّى يُبعَثَ، لو أنَّ تِنّيناً مِنها نَفَخَ في الأرضِ ما أنبتَتْ رِيعَها أبداً.
واعلموا عِبادَ اللَّهِ أنَّ أنفُسَكُم وأجسادَكُم الرَّقيقَةَ النَّاعِمَةَ الَّتي يَكفيها اليسيرُ مِنَ العِقابِ ضَعِيفَةٌ عَنْ هذا؛ فإنِ استطَعتُم أن تَرحَمُوا أنفُسَكُم وأجسادَكُم مِمّا لا طاقَةَ لَكُم بِهِ ولا صَبْرَ لَكُم علَيهِ، فَتَعمَلُوا بِما أحبَّ اللَّهُ سُبحانَهُ، وتَترُكُوا ما كَرِهَ؛ فافعَلُوا، ولا حَولَ ولا قُوَّةَ إلَّاباللَّهِ.
واعلَمُوا عِبادَ اللَّهِ أنَّ ما بَعدَ القَبرِ أشدُّ مِنَ القَبرِ، يَومٌ يَشِيبُ فيهِ الصَّغِيرُ، ويَسكَرُ فيهِ الكَبِيرُ، ويَسقُطُ فِيهِ الجَنِينُ، وتَذهَلُ كُلُّ مُرضِعَةٍ عَمّا أرضَعَتْ، واحذَرُوا يَوماً
____________
[١] طه: ١٢٤.