مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٤٨٦ - ١٣٣ كتابه
عَلَيْك فِي عِمَارَةِ بِلادِك، وتَزْيِينِ وِلايَتِك مع اسْتِجْلابِك حُسْنَ ثَنَائِهِمْ، وتَبَجُّحِك بِاسْتِفَاضَةِ الْعَدْلِ فِيهِمْ، مُعْتَمِداً فَضْلَ قُوَّتِهِمْ بِمَا ذَخَرْتَ عِنْدَهُمْ من إِجْمَامِك لَهُمْ، والثِّقَةَ مِنْهُمْ بِمَا عَوَّدْتَهُمْ مِن عَدْلِك علَيْهم، ورِفْقِك بِهِمْ، فَرُبَّمَا حَدَثَ مِنَ الأمُورِ ما إِذَا عَوَّلْتَ فِيهِ علَيْهم مِن بَعْدُ احْتَمَلُوهُ طَيِّبَةً أَنْفُسُهُمْ به، فَإِنَّ الْعُمْرَانَ مُحْتَمِلٌ ما حَمَّلْتَهُ، وإِنَّمَا يُؤْتَى خَرَابُ الأرْضِ مِن إِعْوَازِ أَهْلِهَا، وإِنَّمَا يُعْوِزُ أَهْلُهَا لإشْرَافِ أَنْفُسِ الْوُلاةِ عَلَى الْجَمْعِ، وسُوءِ ظَنِّهِمْ بِالْبَقَاءِ، وقِلَّةِ انْتِفَاعِهِمْ بِالْعِبَرِ.
ثُمَّ انْظُرْ فِي حَالِ كُتَّابِك، فَوَلِّ عَلَى أُمُورِك خَيْرَهُمْ، واخْصُصْ رَسَائِلَك الَّتي تُدْخِلُ فِيهَا مَكَايِدَك، وأَسْرَارَك بِأَجْمَعِهِمْ، لِوُجُوهِ صَالِحِ الأخْلاقِ مِمَّنْ لا تُبْطِرُهُ الْكَرَامَةُ فَيَجْتَرِئَ بِهَا عَلَيْك فِي خِلافٍ لَك بِحَضْرَةِ مَلاء، ولا تَقْصُرُ به الْغَفْلَةُ عَنْ إِيرَادِ مُكَاتَبَاتِ عُمِّالِك عَلَيْك، وإِصْدَارِ جَوَابَاتِهَا عَلَى الصَّوَابِ عَنْك فِيمَا يَأْخُذُ لَك، ويُعْطِي مِنْك، ولا يُضْعِفُ عَقْداً اعْتَقَدَهُ لَك، ولا يَعْجِزُ عَنْ إِطْلاقِ ما عُقِدَ عَلَيْك.
ولا يَجْهَلُ مَبْلَغَ قَدْرِ نَفْسِهِ فِي الأمُورِ، فَإِنَّ الْجَاهِلَ بِقَدْرِ نَفْسِهِ يَكُونُ بِقَدْرِ غَيْرِهِ أَجْهَلَ.
ثُمَّ لا يَكُنِ اخْتِيَارُك إِيَّاهُمْ عَلَى فِرَاسَتِك، واسْتِنَامَتِك، وحُسْنِ الظَّنِّ مِنْك، فَإِنَّ الرِّجَالَ يَتَعَرَّضُونَ لِفِرَاسَاتِ الْوُلاةِ بِتَصَنُّعِهِمْ، وحُسْنِ خِدْمَتِهِمْ، ولَيْسَ وَرَاءَ ذَلِك مِنَ النَّصِيحَةِ والأمَانَةِ شَيْءٌ، ولَكِنِ اخْتَبِرْهُمْ بِمَا وُلُّوا لِلصَّالِحِينَ قَبْلَك، فَاعْمِدْ لأحْسَنِهِمْ كَانَ فِي الْعَامَّةِ أَثَراً، وأَعْرَفِهِمْ بِالأمَانَةِ وَجْهاً، فَإِنَّ ذَلِك دَلِيلٌ عَلَى نَصِيحَتِك لِلَّهِ، ولِمَنْ وُلِّيتَ أَمْرَهُ.
واجْعَلْ لِرَأْسِ كُلِّ أَمْرٍ مِن أُمُورِك رَأْساً مِنْهُمْ لا يَقْهَرُهُ كَبِيرُهَا ولا يَتَشَتَّتُ عَلَيْهِ كَثِيرُهَا، ومَهْمَا كَانَ فِي كُتَّابِك مِن عَيْبٍ فَتَغَابَيْتَ عَنْهُ أُلْزِمْتَهُ.