مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٤٨٥ - ١٣٣ كتابه
ثُمَّ انْظُرْ فِي أُمُورِ عُمَّالِك، فَاسْتَعْمِلْهُمُ اخْتِبَاراً، ولا تُوَلِّهِمْ مُحَابَاةً، وأَثَرَةً فَإِنَّهُما جِمَاعٌ مِن شُعَبِ الْجَوْرِ والْخِيَانَةِ، وتَوَخَّ مِنْهُمْ أَهْلَ التَّجْرِبَةِ والْحَيَاءِ مِن أَهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ.
والْقَدَمِ فِي الإسْلامِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَإِنَّهُمْ أَكْرَمُ أَخْلاقاً، وأَصَحُّ أَعْرَاضاً، وأَقَلُّ فِي الْمَطَامِعِ إِشْرَاقاً، وأَبْلَغُ فِي عَوَاقِبِ الأمُورِ نَظَراً، ثُمَّ أَسْبِغْ عَلَيْهِمُ الأرْزَاقَ، فَإِنَّ ذَلِك قُوَّةٌ لَهُمْ عَلَى اسْتِصْلاحِ أَنْفُسِهِمْ، وغِنًى لَهُمْ عَنْ تَنَاوُلِ ما تَحْتَ أَيْدِيهِمْ، وحُجَّةٌ عليْهم إنْ خَالَفُوا أَمْرَك، أو ثَلَمُوا أَمَانَتَك، ثُمَّ تَفَقَّدْ أَعْمَالَهُمْ، وابْعَثِ الْعُيُونَ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ والْوَفَاءِ علَيْهم، فَإِنَّ تَعَاهُدَك فِي السِّرِّ لأمُورِهِمْ حَدْوَةٌ لَهُمْ عَلَى اسْتِعْمَالِ الأمَانَةِ، والرِّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ.
وتَحَفَّظْ مِنَ الأعْوَانِ، فَإِنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بَسَطَ يَدَه، إلى خِيَانَةٍ اجْتَمَعَتْ بِهَا عَلَيْهِ عِنْدَك أَخْبَارُ عُيُونِك اكْتَفَيْتَ بِذَلِك شَاهِداً، فَبَسَطْتَ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةَ فِي بَدَنِهِ، وأَخَذْتَهُ بِمَا أَصَابَ مِن عَمَلِهِ، ثُمَّ نَصَبْتَهُ بِمَقَامِ الْمَذَلَّةِ، ووَسَمْتَهُ بِالْخِيَانَةِ، وقَلَّدْتَهُ عَارَ التُّهَمَةِ.
وتَفَقَّدْ أَمْرَ الْخَرَاجِ بِمَا يُصْلِحُ أَهْلَهُ، فَإِنَّ فِي صَلاحِهِ وصَلاحِهِمْ صَلاحاً لِمَنْ سِوَاهُمْ، ولا صَلاحَ لِمَنْ سِوَاهُمْ إِلَّا بِهِمْ، لأنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ عِيَالٌ عَلَى الْخَرَاجِ وأَهْلِهِ.
ولْيَكُنْ نَظَرُك فِي عِمَارَةِ الأرْضِ أَبْلَغَ مِن نَظَرِك فِي اسْتِجْلابِ الْخَرَاجِ، لأنَّ ذَلِك لا يُدْرَك إِلَّا بِالْعِمَارَةِ، ومَنْ طَلَبَ الْخَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَةٍ أَخْرَبَ الْبِلادَ، وأَهْلَك الْعِبَادَ، ولَمْ يَسْتَقِمْ أَمْرُهُ إِلَّا قَلِيلًا، فَإِنْ شَكَوْا ثِقَلا أو عِلَّةً، أو انْقِطَاعَ شِرْبٍ، أو بَالَّةٍ [١]، أو إِحَالَةَ أَرْضٍ اغْتَمَرَهَا غَرَقٌ، أو أَجْحَفَ بِهَا عَطَشٌ، خَفَّفْتَ عَنْهُمْ بِمَا تَرْجُو أَنْ يَصْلُحَ به أَمْرُهُمْ، ولا يَثْقُلَنَّ عَلَيْك شَيْءٌ خَفَّفْتَ به الْمَؤونَةَ عَنْهُمْ، فَإِنَّهُ ذُخْرٌ يَعُودُونَ به
[١] انقطاع بالَّةٍ: أي ما يبلُّ الأرض من ندى و مطر (شرح نهج البلاغة، صبحي الصالح، الرقم ٤١٠٦).