مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٣٨٠ - ١١٤ كتابه
أمَّا بَعدُ، فإنِّي أظنُّك أن لو علمتُ أنَّ الحرْب تَبْلُغ بِنا و بِك ما بَلَغَتْ و عَلِمْنا، لم يَجْنها بَعْضنا على بَعْض.
و إنِّا و إن كنَّا قَد غُلِبْنا على عُقُولنا فقَد بقي لَنا منها ما نَنْدَم به على ما مَضى و نصلح به ما بقي، و قد كنتُ سألتُك الشَّام على ألّا يلزمني لَكَ طاعَةٌ و لا بيعة، فأبَيْتَ ذلك علَيَّ، فأعطاني اللَّهُ ما مَنعْتَ، و أنَا أدْعُوك اليوْمَ إلى ما دَعَوْتُكَ إليْه أمسِ، فإنِّي لا أرْجُو مِنَ البَقاءِ إلَّا ما تَرجُو، و لا أخافُ مِنَ المَوْتِ إلَّا ما تَخافُ، و قد و اللَّه رقّت الأجنادُ، و ذَهَبَتِ الرِّجالُ، و نحْنُ بَنو عبْدِ منافٍ لَيْسَ لِبعْضِنا على بَعْضٍ فضلٌ، إلَّا فضْلٌ لا يَستذِلُّ بهِ عَزيزٌ، و لا يسترقُّ به حرّ، و السَّلام.
فلمَّا انْتَهى كتاب معاوية إلى عليّ قرأه ثم قال:
«العَجَبُ لِمُعاوِيَةَ وكتابِهِ»
، ثُمَّ دَعا عليٌّ عُبَيْد اللَّه بن أبي رافع كاتبه فقال: اكتب إلى معاوية:
«أمَّا بَعْدُ، فَقَدْ جاءَ نِي كتابُكَ تَذْكُرُ أنَّك لَوْ عَلِمْتَ وعَلِمْنا أنَّ الحَرْب تَبْلُغُ بِنا وبِكَ ما بَلَغَتْ لمْ يَجْنِها بَعْضُنا على بَعْض، فإنَّا وإيَّاك منْها في غايَةٍ لمْ تَبْلُغْها، وإنِّي لو قُتِلْتُ في ذاتِ اللَّهِ وحَيِيتُ، ثُمَّ قُتِلْتُ، ثُمَّ حَيِيتُ سَبْعِين مَرَّةً لمْ أرْجِعْ عَنِ الشِّدَّةِ في ذَاتِ اللَّهِ، والجهادِ لأعداءِ اللَّهِ.
وأمَّا قولُكَ: إنَّهُ قَدْ بَقِيَ مِن عُقُولِنا ما نَنْدَمُ بِهِ علَى ما مَضْى، فَإنِّي ما نَقَصْتُ عَقْلِي، ولا نَدِمْتُ علَى فِعْلِي.
فأمَّا طَلَبُك الشَّامَ، فإنِّي لَمْ أكُنْ لُاعْطِيكَ اليَوْمَ ما مَنَعْتُكَ أمْسِ.
وأمَّا اسْتِواؤُنا في الخَوْفِ والرَّجاء، فإنَّكَ لسْتَ أمْضى علَى الشَّكِّ مِنِّي علَى اليَقِينِ وليْسَ أهلُ الشَّامِ بأحْرَصَ علَى الدُّنيا مِن أهْلِ العِراقِ علَى الآخِرةِ.