مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٤٤ - أبو ذَرٍّ الغِفارِيّ
و في تاريخ اليعقوبيّ: بلغ عثمان أيضاً أنّ أبا ذَرّ يقع فيه، و يذكر ما غيّر و بدّل من سُنَنِ رَسولِ اللَّهِ، و سُنَنِ أبي بكرٍ و عُمرَ، فسيّره إلى الشَّام إلى معاوية، و كان يجلس في المسجد فيقول كما كان يقول، و يجتمع إليه النَّاس، حتَّى كثر من يجتمع إليه و يسمع منه.
و كان يقف على باب دمشق، إذا صلّى صلاة الصُّبح، فيقول: جاءت القَطارُ تحمِلُ النَّارَ، لَعَنَ اللَّهُ الآمرِينَ بالمَعرُوفِ و التَّارِكينَ لَهُ، وَ لَعَنَ اللَّهُ النَّاهينَ عَنِ المُنكَرِ وَ الآتينَ لَهُ.
و كتب معاوية إلى عثمان: إنّك قد أفسدت الشَّام على نفسك بأبي ذَرّ، فكتب إليه أن: احمِلهُ عَلَى قَتَبٍ [١] بِغَيرِ وِطاء، فَقَدِمَ بِهِ إلى المَدينَةِ، وَ قَد ذَهَبَ لَحمُ فَخِذَيهِ، فلمّا دخل إليه و عنده جماعة قال: بَلَغَنِي أَنّك تقول: سَمِعتُ رَسولَ اللَّهِ يقولُ:
«إذا كَمُلَت بَنُو امَيّةَ ثَلاثينَ رَجُلًا، اتّخَذُوا بِلادَ اللَّهِ دُوَلًا [٢]، وعِبادَ اللَّهِ خَوَلًا [٣]، ودينَ اللَّهِ دَغَلًا [٤]»
فقال: نَعَم، سَمِعتُ رَسولَ اللَّهِ يقولُ ذلِكَ. فقال لهم:
أسمعتم رسول اللَّه يقول ذلك؟
فبعث إلى عليّ بن أبي طالب، فأتاه، فقال: يا أبا الحسن! أ سَمِعتَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ ما حَكاهُ أبو ذَرّ؟ و قصّ عليه الخبرَ. فقال عليّ: نعم! قال: وَ كيفَ تَشهَدُ؟ قال: لقول رسول اللَّه ٦:
«ما أظَلَّتِ الخَضرَاءُ، ولَا أقلّتِ الغَبراءُ ذا لَهجَةٍ أَصدَقَ مِن أبي ذَرّ»
.
[١]. القَتَب: رَحْل البَعِير، صغير على قدر السَّنَام (مجمع البحرين: ج ٣ ص ١٤٣٧).
[٢]. الدُّوَل: جمع دُولة؛ و هو ما يُتداوَل من المال، فيكون لقوم دون قوم (النهاية: ج ٢ ص ١٤٠).
[٣]. خَوَلًا: أي خَدماً و عَبيداً، يعني أنّهم يستخدمونهم و يَستعبِدونهم (النهاية: ج ٢ ص ٨٨).
[٤]. دَغَلًا: أي يَخدعون به الناسَ، و أصل الدَّغَل: الشَّجَر الملتَفّ الَّذي يكمُن أهل الفَساد فيه (النهاية: ج ٢ ص ١٢٣).