مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٥٤٤ - ١٤٠ كتابه
لنَفسِكَ قبلَ نزُولِكَ ووَطِّئَ المَنْزِلَ قَبْلَ حُلُولِكَ، فليْسَ بعدَ الموْت مسْتَعْتَبٌ، ولا إلى الدُّنيا مُنْصَرَفٌ.
واعلَم أنَّ الَّذِي بِيَدِهِ خَزائِنُ مَلَكوتِ الدُّنيا والآخِرَةِ قَدْ أذِنَ لِدُعائِكَ، وتَكَفَّلَ لإجابَتِكَ، وأمَرَك أنْ تسْأَلَه ليُعْطِيَكَ وتستَرْحِمَه ليَرْحَمَك، وهو رَحيمٌ كريمٌ، لم يَجعل بينك وبينَه مَن يَحْجُبُك عنه، ولم يُلْجِئْك إلى مَن يَشْفَعُ لَكَ إليْهِ، ولم يَمْنَعْكَ إنْ أسَأْتَ مِنَ التَّوبَةِ، ولم يُعَيِّرْكَ بالإنابَةِ، ولم يُعاجِلْكَ بالنَّقِمَةِ، ولم يَفْضَحْكَ حَيْثُ تَعَرَّضْتَ للْفَضِيحَةِ، ولم يُناقِشْكَ بالجَريْمَةِ، ولم يُؤيِسْكَ مِنَ الرَّحْمَةِ، ولم يُشَدِّدْ علَيْك في التَّوبَةِ، فجَعَل توْبَتَك التَّوَرُّعَ مِنَ الذَّنْبِ، وحَسَبَ سَيِّئَتَك واحِدَةً، وحَسَنَتَكَ عَشْراً، وفَتَحَ لَكَ بابَ المَتابِ والاستِعْتابِ، فمَتَى شِئْتَ نادَيْتَهُ سمِع نِداءَ كَ ونَجْواك، فأفْضَيْتَ إليْه بحاجَتِك، وأبْثَثْتَهُ ذاتَ نَفسِكَ، وشكوْتَ إليْه هُمُومَك، واسْتَكْشَفْتَه كرُوبَكَ، واسْتَعَنْتَه على أُمورِكَ، وسألتَه مِنْ خزائِنِ رحْمَتِهِ ما لا يَقدِرُ على إعطائِهِ غَيْرُهُ: مِن زيادة الأعْمارِ، وصِحَّةِ الأبْدانِ، وسِعَة الأرزاق، ثُمَّ جَعَل في يَديْكَ مفاتيحَ خزائنِهِ، بِما أذِنَ فيْه مِن مَسْألَتِهِ، فمَتَى شِئْتَ اسْتَفْتَحْتَ بالدُّعاء أبوابَ خزائِنِهِ، فألْحِحْ علَيْهِ بِالمَسألَةِ يَفْتَحْ لَكَ بابَ الرَّحْمَةِ، ولا يُقْنِطُكَ إنْ أبطَأَتْ عَلَيْكَ الإجابَةُ، فإنَّ العَطِيَّةَ على قَدْرِ المَسألَةِ، ورُبَّما أُخِّرَتْ عَنْكَ الإجابةُ لِيَكونَ أطوَلَ في المَسْألَةِ، وأجْزَلَ للعَطِيَّةِ، ورُبَّما سألْتَ الشَيْء فلا تُؤتاه فلم تَؤْتِه، وأُوتَيْتَ خَيْرَاً منْه عاجِلًا أو آجِلًا، أو صِرْتَ إلى ما هو خَيْرٌ لَكَ، فَلَرُبَّ أمْرٍ قَدْ طلَبْتَهُ فيْهِ هَلاكُ دينِكَ ودُنياكَ لو أُوْتِيتَهُ، ولتكن مسألتُك فِيما يَعْنِيكَ ممَّا يَبْقى لَكَ جَمالُهُ، ويُنْفى عنْك وَبالُهُ، فإنَّ المال لا يَبْقى لَكَ ولا تَبْقى لَهُ، فإنَّه يوشَك أنْ تَرى عاقِبَةَ أمْرِك حَسَناً أو سَيِّئاً أو يَعْفُوَ العَفُوُّ الكريم.
واعلَم يا بُنَيَّ أنَّك إنَّما خُلِقْتَ للآخِرةِ لا للدُّنيا، وللفَناءِ لا للبَقاءِ، وللموْتِ