موسوعة الإمام الحسين في الكتاب و السنة و التاريخ - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٢٠٦
فَقالَ: الحَمدُ للَّهِ الَّذي فَضَّلَنا عَلى خَلقِهِ بِالرَّحمَةِ، وخَصَّنا أهلَ البَيتِ بِالرَّحمَةِ.
يا مِسمَعُ! إنَّ الأَرضَ وَالسَّماءَ لَتَبكي مُنذُ قُتِلَ أميرُ المُؤمِنينَ ٧ رَحمَةً لَنا، وما بَكى لَنا مِنَ المَلائِكَةِ أكثَرُ، وما رَقَأَت[١] دُموعُ المَلائِكَةِ مُنذُ قُتِلنا، وما بَكى أحَدٌ رَحمَةً لَنا ولِما لَقينا، إلّارَحِمَهُ اللَّهُ قَبلَ أن تَخرُجَ الدَّمعَةُ مِن عَينِهِ، فَإِذا سالَت دُموعُهُ عَلى خَدِّهِ، فَلَو أنَّ قَطرَةً مِن دُموعِهِ سَقَطَت في جَهَنَّمَ لَأَطفَأَت حَرَّها حَتّى لا يوجَدُ لَها حَرٌّ، وإنَّ الموجَعَ قَلبُهُ لَنا لَيَفرَحُ يَومَ يَرانا عِندَ مَوتِهِ، فَرحَةً لا تَزالُ تِلكَ الفَرحَةُ في قَلبِهِ حَتّى يَرِدَ عَلَينَا الحَوضَ، وإنَّ الكَوثَرَ لَيَفرَحُ بِمُحِبِّنا إذا وَرَدَ عَلَيهِ، حَتّى أنَّهُ لَيُذيقُهُ مِن ضُروبِ الطَّعامِ ما لا يَشتَهي أن يَصدُرَ عَنهُ.
يا مِسمَعُ! مَن شَرِبَ مِنهُ شَربَةً لَم يَظمَأ بَعدَها أبَداً، ولَم يَستَقِ بَعدَها أبَداً، وهُوَ في بردِ الكافورِ، وريحِ المِسكِ، وطَعمِ الزَّنجَبيلِ، أحلى مِنَ العَسَلِ، وأليَنُ مِنَ الزَّبَدِ، وأصفى مِنَ الدَّمعِ، وأذكى مِنَ العَنبَرِ، يَخرُجُ مِن تَسنيمٍ[٢]، ويَمُرُّ بِأَنهارِ الجِنانِ، يَجري عَلى رَضراضِ[٣] الدُّرِّ وَالياقوتِ، فيهِ مِنَ القُدحانِ أكثَرُ مِن عَدَدِ نُجومِ السَّماءِ، يوجَدُ ريحُهُ مِن مَسيرَةِ ألفِ عامٍ، قُدحانُهُ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وألوانِ الجَوهَرِ، يَفوحُ في وَجهِ الشّارِبِ مِنهُ كُلُّ فائِحَةٍ حَتّى يَقولَ الشّارِبُ مِنهُ: يا لَيتَني تُرِكتُ هاهُنا لا أبغي بِهذا بَدَلًا، ولا عَنهُ تَحويلًا.
أما إنَّكَ- يا كِردينُ- مِمَّن تَروى مِنهُ، وما مِن عَينٍ بَكَت لَنا إلّانُعِّمَت بِالنَّظَرِ إلَى الكَوثَرِ، وسُقِيَت مِنهُ مَن أحَبَّنا، وإنَّ الشّارِبَ مِنهُ لَيُعطى مِنَ اللَّذَّةِ وَالطَّعمِ وَالشَّهوَةِ لَهُ أكثَرَ مِمّا يُعطاهُ مَن هُوَ دونَهُ في حُبِّنا، وإنَّ عَلَى الكَوثَرِ أميرَ المُؤمِنينَ ٧، وفي يَدِهِ
[١]. رَقَأ الدّمْعُ: سَكَنَ( الصحاح: ج ١ ص ٥٣« رقأ»).
[٢]. تَسْنيم: قيل: عين في الجنّة رفيعة القدر( مفردات ألفاظ القرآن: ص ٤٢٩« سنم»).
[٣]. الرَّضْراضُ: الحَصَى الصغار( النهاية: ج ٢ ص ٢٢٩« رضرض»).