موسوعة الإمام الحسين في الكتاب و السنة و التاريخ - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٥١
فَقالَ: هاهُنا قَريباً وأعودُ. فَقُلتُ لِغُلامي: أسرِج، فَرَكِبتُ وأتبعَتُهُ، فَإِذا هُوَ واقِفٌ فِي الكِناسِ- وهِيَ مَحَلَّةُ بَني أسَدٍ- وقَد ثَنى رِجلَهُ عَلى مَعرِفَةِ فَرَسِهِ، فَما لَبِثَ أن أطلَعَ قَومٌ مَعَهُم حَرمَلَةُ بنُ كاهِلٍ الأَسَدِيُّ، في عُنُقِهِ حَبلٌ، وهُوَ مَكتوفُ اليَدَينِ إلى وَرائِهِ.
فَقالَ المُختارُ: قَطِّعوا يَدَيهِ ورِجلَيهِ. فَوَاللَّهِ، ما تَمَّ الأَمرُ حَتّى قَطَّعوا يَدَيهِ ورِجلَيهِ وهُوَ واقِفٌ، ثُمَّ أمَرَ بِنَفطٍ وقَصَبٍ، فَصَبَّ عَلَيهِ النَّفطَ وألقى عَلَيهِ القَصَبَ، وطَرَحَ فيهَا النّارَ، فَاحرِقَ، فَقُلتُ: لا إلهَ إلَّااللَّهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، فَقالَ يا بِشرُ: أنكَرتَ فِعلي بِحَرمَلَةَ هذا، أنسَيتَ فِعلَهُ بِآلِ عَلِيٍّ ومَوقِفَهُ فيهِم يَومَ الحُسَينِ ٧ وقَد رَمى طِفلًا لِلحُسَينِ ٧ وهُوَ في حِجرِهِ بِسَهمٍ؟!
فَقُلتُ: أيُّهَا الأَميرُ! ما أنكَرتُ ذلِكَ، وإنَّ هذا قَليلٌ في جَنبِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهُ مِن عَذابِ الآخِرَةِ الإِثمَ الدّائِمَ، ولكِنّي احَدِّثُ الأَميرَ بِشَيءٍ ذَكَرتُهُ، يَسُرَّهُ ويُثَبِّتُ قَلبَهُ ويُقَوّي عَزمَهُ.
قالَ: وما هُوَ يا مُبارَكُ؟
قُلتُ: حَجَجتُ سَنَةً، فَأَتَيتُ عَلِيَّ بنَ الحُسَينِ ٧ زائِراً ومُسَلِّماً عَلَيهِ، فَسَأَلَني عَن حَرمَلَةَ بنِ كاهِلٍ هذا، فَقُلتُ: هُوَ أحَدُ بَني مَوقِدِ النّارِ. فَقالَ: قَطَّعَ اللَّهُ يَدَيهِ ورِجلَيهِ، وأوقَدَ عَلَيهِ النّارَ عاجِلًا غَيرَ آجِلٍ.
قالَ: فَخَرَّ المُختارُ ساجِداً عَلى قَرَبوسِ سَرجِهِ، وكادَ أن يَطيرَ مِنَ السَّرجِ فَرَحاً وسُروراً، وقالَ: الحَمدُ للَّهِ، بَشَّرَكَ اللَّهُ- يا بِشرُ- بِخَيرٍ.
فَلَمَّا انصَرَفنا وصارَ إلى بابِ داري، قُلتُ: إن رَأَى الأَميرُ أن يُكرِمَني بِنُزولِهِ عِندي، ويُشَرِّفَني بِأَكلِهِ طَعامي؟ فَقالَ: سُبحانَ اللَّهِ، ولَهُ الحَمدُ! تُحَدِّثُني بِما حَدَّثتَني بِهِ عَن عَلِيِّ بنِ الحُسَينِ ٧ وتَسأَلُنِي الغَداءَ! لا وَاللَّهِ- يا بِشرُ-، ما هذا يَومُ