موسوعة الإمام الحسين في الكتاب و السنة و التاريخ - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٣٣
البَصرَةِ، فَلَقِيَ ذلِكَ العِلجُ عِلجاً مِن تِلكَ القَريَةِ، فَأَقبَلَ يَشكو إلَيهِ ما لَقِيَ مِن شِمرٍ، فَإِنَّهُ لَقائِمٍ مَعَهُ يُكَلِّمُهُ إذ مَرَّ بِهِ رَجُلٌ مِن أصحابِ أبي عَمرَةَ، فَرَأَى الكِتابَ مَعَ العِلجِ، وعُنوانُهُ لِمُصعَبٍ مِن شِمرٍ، فَسَأَلُوا العِلجَ عَن مَكانِهِ الَّذي هُوَ بِهِ فَأَخبَرَهُم، فَإِذا لَيسَ بَينَهُم وبَينَهُ إلّاثَلاثَةُ فَراسِخَ، قالَ: فَأَقبَلوا يَسيرونَ إلَيهِ.
قالَ أبو مِخنَفٍ: فَحَدَّثَني مُسلِمُ بنُ عَبدِ اللَّهِ: وأنَا وَاللَّهِ مَعَ شِمرٍ تِلكَ اللَّيلَةَ، فَقُلنا:
لَو أنَّكَ ارتَحَلتَ بِنا مِن هذَا المَكانِ، فَإِنّا نَتَخَوَّفُ بِهِ، فَقالَ: أوَ كُلُّ هذا فَرَقاً[١] مِنَ الكَذّابِ! وَاللَّهِ لا أتَحَوَّلُ مِنهُ ثَلاثَةَ أيّامٍ، مَلَأَ اللَّهُ قُلوبَكُم رُعباً! قالَ: وكانَ بِذلِكَ المَكانِ الَّذي كُنّا فيهِ دَبىً[٢] كَثيرٌ، فَوَاللَّهِ، إنّي لَبَينَ اليَقظانِ وَالنّائِمِ إذ سَمِعتُ وَقَعَ حَوافِرِ الخَيلِ، فَقُلتُ في نَفسي: هذا صَوتُ الدَّبى، ثُمَّ إنّي سَمِعتُهُ أشَدَّ مِن ذلِكَ، فَانتَبَهتُ ومَسَحتُ عَينَيَّ، وقُلتُ: لا وَاللَّهِ ما هذا بِالدَّبى.
قالَ: وذَهَبتُ لِأَقومَ، فَإِذا أنَا بِهِم قَد أشرَفوا عَلَينا مِنَ التَّلِّ، فَكَبَّروا، ثُمَّ أحاطوا بَأَبياتِنا، وخَرَجنا نَشتَدُّ عَلى أرجُلِنا، وتَرَكنا خَيلَنا. قالَ: فَأَمُرُّ عَلى شِمرٍ وأنَّهُ لَمُتَّزِرٍ بِبُردٍ مُحَقَّقٍ، وكانَ أبرَصَ، فَكَأَنّي أنظُرُ إلى بَياضِ كَشحَيهِ[٣] مِن فَوقِ البُردِ، فَإِنَّهُ لَيُطاعِنُهُم بِالرُّمحِ، قَد أعجَلوهُ أن يَلبِسَ سِلاحَهُ وثِيابَهُ، فَمَضَينا وتَرَكناهُ.
قالَ: فَما هُوَ إلّاأن أمَعنتُ ساعَةً، إذ سَمِعتُ: اللَّهُ أكبَرُ، قَتَلَ اللَّهُ الخَبيثَ.
قالَ أبو مِخنَفٍ: حَدَّثَني المِشرَقِيُّ عَن عَبدِ الرَّحمنِ بنِ عُبَيدٍ أبِي الكَنودِ: أنَا واللَّهِ، صاحِبُ الكِتابِ الَّذي رَأَيتُهُ مَعَ العِلجِ، وأتَيتُ بِهِ أبا عَمرَةَ، وأنَا قَتَلتُ شِمراً، قالَ:
قُلتُ: هَل سَمِعتَهُ يَقولُ شَيئاً لَيلَتَئِذٍ؟ قالَ: نَعَم، خَرَجَ عَلَينا، فَطاعَنَنا بِرُمحِهِ ساعَةً،
[١]. الفَرَقُ: الخَوفُ والفَزَعُ( النهاية: ج ٣ ص ٤٣٨« فرق»).
[٢]. الدَّبى: الجرادُ قبل أن يطير( النهاية: ج ٢ ص ١٠٠« دبا»).
[٣]. الكَشْح: الخِصر( النهاية: ج ٤ ص ١٧٥« كشح»).