الاعمال الفلسفية - الفارابي، أبو نصر - الصفحة ٢٣ - ٢ - هوية الكتاب
احتواها الحكّام من الناحية النظرية فحسب. و تلك هي المأساة التي أشغلت ذهن الفيلسوف و قد أشرنا إلى بعض تفاصيلها في كتابنا (فيلسوفان رائدان- الكندي و الفارابي) ١٠. و هي نفسها التي دفعته إلى التفكير جدّيا بالهجرة من بغداد إلى مدينة أخرى يبتعد فيها عن معاناته العميقة هذه، و تكون أكثر قناعة و اطمئنانا بالنسبة إليه.
و أعود فأتجه بحديثي إلى ذكر رأي بعض المعاصرين عن كتاب (تحصيل السعادة). فقد ذهب بعض الباحثين و منهم المستشرق شتراوس و ريتشارد فالتزر و فرنتز روزنتال- و سلك مسلكهما- محسن مهدي ١١، إلى أن كتاب (تحصيل السعادة) هو الجزء الأول من كتاب لأبي نصر؛ سماه صاعد في طبقات الأمم (في أغراض فلسفة أفلاطون و أرسطوطاليس)، و سماه ابن رشد (ت ٥٩٥ ه) كتاب (الفلسفتين) و وسمه ابن أبي أصيبعة ب (كتاب الفلسفتين لأفلاطون و أرسطوطاليس). أما القفطي فقد دعاه (كتاب فلسفة أفلاطون و أرسطوطاليس) ١٢.
إن سؤالنا الأساسي المطروح للنقاش هو: هل يصح الأخذ بهذه التبعية بالنسبة لكتاب (تحصيل السعادة)؟ إنّ الموقف منذ البدء يعود أصلا إلى النهاية التي ينتهي بها (تحصيل السعادة) حيث يقول الفارابي: «... و نحن نبتدئ أولا بذكر فلسفة أفلاطن و مراتب فلسفته و نبتدئ من أول أجزاء فلسفة أفلاطن، ثم نرتّب شيئا شيئا من فلسفته حتى نأتي على آخرها. و نفعل مثل ذلك في الفلسفة التي أعطاناها (أعطانا إياها) أرسطوطاليس فنبتدئ من أول أجزاء فلسفته. فتبين من ذلك أن غرضهما بما أعطياه غرض واحد، و أنهما إنّما التمسا إعطاء فلسفة واحدة بعينها- فلسفة أفلاطن و أجزاؤها و مراتب أجزائها من أولها إلى آخرها».