الاعمال الفلسفية - الفارابي، أبو نصر - الصفحة ٣٨ - ١ - التعريف العام بالكتاب و غاياته
بقوّة الذهن على إدراك الصواب. و لا يتحقّق الأمر الأخير إلّا بوسيلة أخرى تتخذ آلة لهذا الغرض؛ و تسمّى صناعة المنطق.
فعلم المنطق، في هذا التنظير، صناعة تتقدم على غيرها من العلوم بالأولوية؛ لأنّها سلاح للتمييز بين ما هو صادق و كاذب.
و العقل الإنساني آلتها و سبيلها، و بها ينال كماله المطلوب و المرغوب فيه؛ باعتبار «أنّها تفيد الحكم بصواب ما يعقل، و القدرة على اقتناء الصواب فيما يعقل».
و المنهج السالك هنا يفرض على دارس الفلسفة (أعني الباحث عن سعادته الحقّة) أن يتسلم مقدمات قبل البدء بصناعة المنطق؛ لأنّ بين هذه المقدمات و علم المنطق علاقة شبه. و يقصد الفيلسوف بهذه المقدمات صناعة النحو من حيث «أنّه يفيد العلم بصواب ما يلفظ به، و القوّة على الصواب منه بحسب عادة أهل لسان ما».- لذا يجب أن تتحقّق في المنهج الكفاية من التنبيه على أوائل هذه الصناعة، و من ثمّة الولوج إلى دراسة هذا العلم الذي يقوّم الذهن، و يقود في النهاية إلى اقتناء الفلسفة الصادقة التي هي الهدف الأصيل للإنسان السعيد ١٨! ..
يقول الفارابي: «و لمّا كانت صناعة المنطق هي أوّل شيء يشرع فيه بطريق صناعي؛ لزم أن تكون الأوائل التي يشرع فيها أمورا معلومة سبقت معرفتها للإنسان؛ فلا يعرّى من معرفتها أحد؛ و هي أشياء كثيرة. و ليس أيّ شيء اتفق منها يستعمل في أيّ شيء اتفق من الصنائع؛ لكن صنف منها يستعمل في صناعة، و صنف آخر في صناعة أخرى- فلذلك ينبغي أن نحصل من تلك الأشياء ما يصلح