الاعمال الفلسفية - الفارابي، أبو نصر - الصفحة ٥٢ - ١ - التعريف العام بالرسالتين
و الجوهر منه بسيط و منه مركب، و الأول منهما في حالين: إمّا أنّه لا يدخل في تقويم المركّب فيكون مفارقا، و إمّا أن يكون داخلا في تقويمه.
و تصنيف آخر يلحق الجوهر؛ هو أنّه جوهر أوّل، و جوهر ثان.
و الجواهر الأول يقصد بها الشخصيات (أي الأمور الجزئية) و هى بالإضافة للأمور المشتركة لها طبيعة واحدة. و ليست الأوّلية هنا بدلالة الأولوية؛ لأنّ الجزئيات ليست أولى في حقيقة جوهريتها، إذ تلك الحقيقة للماهية التي لها. فهي إذن أولى بالجوهرية، لأنّها أولى من جهة الوجود، أي من جهة حصولها في الأعيان لا في موضوع، و لأنّها لا تقال على كثيرين بل هي تعبير عن الكائن المفرد من حيث هو موضوع مباشر لما يحمل عليه من الصفات سلبا أو إيجابا.
أمّا الجواهر الثواني؛ فهي التي تقال على كثيرين أيضا، و تكون غالبا موضوعا لقضية ما، فهي جواهر و كلّيات على سبيل التماثل فحسب. و يتميّز بعضها عن بعض، و تتفاوت: فالنوع منها أولى بالجوهرية من الجنس باعتبار أنّه أشدّ مشاركة للجواهر الأول في ماهياتها، و دلالته عليها أكثر من دلالة الجنس. و هكذا فإنّ كلّ ما هو أشدّ مشاركة للأول- من حيث كونه أولا- يكون أقرب إليه، لأنّه لا يتمّ تقدّمه و تأخّره إلّا به؛ فهو إذن أولى بالجوهرية.
أمّا إذا عدنا إلى خواصّ الجوهر الأخرى؛ و هو كونه لا ضدّ له، فالضّد هنا هو ما يطلق على كلّ موجود في الخارج مساو في قوته لموجود آخر ممانع له. أو على موجود مشارك لموجود آخر؛ بحيث إذا قام أحدهما بالموضوع لم يقم الآخر به. لذا قيل إنّ الضدّين لا يجتمعان و قد يرتفعان، بخلاف النقيضين فهما لا يجتمعان و لا يرتفعان.