الاعمال الفلسفية - الفارابي، أبو نصر - الصفحة ١٢ - ١ - التخطيط و التنظيم
الذي ينبغي أن نسلكه هنا- قبل كل شيء- هو البدء بمعرفة (المقدمات الأول) أو ما يسميه الحكيم بالأوائل المشهورة، لأنها «تحرص على معرفة العلّة في رسم كل واحد منها» من حيث إنها فطرية فينا لا يعرّى عن علمها أحد، و هي حاصلة في ذهن الإنسان منذ ولادته، و لكنه يستكشفها بطريق التعلّم فحسب، مثل مبادئ عدم التناقض و الوسط المرفوع و العلّية. و هي تحدث في العقل من غير سبب يوجب التصديق بها إلّا ذواتها.
و يطيل الفارابي هنا الحديث عن هذه المقدمات الأول و عن كيفية ترتيبها و تنظيمها؛ و ما هو سبيل التدرّج فيها؛ حتى تفضي بالفاحص إلى الطريق السوي. فيقع منها عندئذ على برهاني (الإنّية و اللمّية)، أو بمعنى آخر يقع على وسائل الوصول إلى (علّة) الشيء و (معلوله) بطريقين متعاكسين: من العلّة إلى المعلول تارة، و من المعلول إلى العلّة أخرى. لينتهي إلى حصر مبادئ الموجود بأربعة فقط كما هي عند المعلم الأول أرسطوطاليس.
و لكن مبادئ الوجود هذه غير مبادئ التعليم، لأنها متأخرة عن الأولى ذاتا، رغم أنها هي السبيل إلى معرفة مبادئ الوجود إذا رتّبت ترتيبا سليما- بحيث تكون النتائج مقدمات أحيانا لنتائج أخرى، و هكذا حتى نصل إلى اقتناء المبدأ المطلوب.
و من الوسائل التي ينبغي الحرص عليها هو أن نسلك طريقا لا يقود إلى الحيرة فنضل و يؤدي ضلالنا عندئذ إلى اضطراب الذهن و تبلد الخاطر. لذا فالأسلم و الأدق لنا أن نبدأ بالأعداد و الأعظام أو بما سماه العرب (علم التعاليم)- بمعنى الرياضيات-، لأن موضوعها الأجسام التعليمية؛ أي دراسة الكميات العددية