الاعمال الفلسفية - الفارابي، أبو نصر - الصفحة ٦٨ - ١ - التعريف العام بالتعليقات
و إنّما وجودها في العقل؛ فهي مقوّمة لوجودها في الذهن. و تقرير هذا الرأي هو من مبدعات المدرسة الأرسطوطالية و من ثمّة تبنته المدرسة الفلسفية في الإسلام منذ بواكيرها الأولى، و مثّله الفارابي و ابن سينا خير تمثيل.
و إذا عدنا إلى دلالة (الفصل)؛ فإن البسائط لا فصل لها، لأنّ الفصل يتحدّد بالمركبات- و لكنه قد يحاذي الصورة كما يحاذي الجنس المادّة. رغم أنّ الفصول المنوّعة لا سبيل إلى معرفتها؛ و إنّما نحن ندرك لازما من لوازمها فحسب، و من هنا عاد التحديد بمثل هذه الأشياء رسوما لا حدودا حقيقية.
ثم يأخذ الفارابي في تعريف «هوية الشيء» و «الهوهو» و دلالة «هو» بما يشبه تحديده لها في كتابه الموسوم ب (الحروف)- و يحدّد أيضا مفهومي الزمان و المكان؛ حيث يتشخّص الأول بالوضع لأنّه تابع لوضع مخصوص من الفلك، و أمّا الثاني فيتشخّص نسبة إلى ما يحويه.
و يستمر الفيلسوف في حديثه حتى يصل إلى دلالة العلم الطبيعي و موضوعه الذي هو «الجسم بما هو متحرّك و ساكن، و المتحرّك فيه و عنه هو الأعراض اللّاحقة من حيث هو كذلك لا من حيث هو جسم فلكي عنصري مخصوص».- و حديثه عن هذا العلم يتميّز بدقة النظر و الاستيعاب التامّين لمفردات الطبيعة سواء ما يتعلق منها بالآثار العلوية أو الأسطقسات و العناصر. و ينصب اهتمامه في «التعليقات» على موضوعات «السّماع الطبيعي» الذي يبحث خاصّة في المكان و الخلاء و الملاء و في الزمان؛ و هل هو متناه أم غير متناه، و هل له ابتداء و انتهاء؟ .. و تتتابع موضوعات هذا