الاعمال الفلسفية - الفارابي، أبو نصر - الصفحة ٦٦ - ١ - التعريف العام بالتعليقات
و السطح و العدد و المعدود، و عن الخطّ و النقطة .. و يثير الفارابي في هذا المجال قضية العاقل و المعقول بالنسبة لواجب الوجود، و هل تؤدي هذه النظرة إلى صورة الاثنينية في الذات الإلهية؟ يجيب الفيلسوف بالنفي، مؤكدا «أنّ الذات واحدة و الاعتبار واحد، و لكن في الاعتبار تقديم و تأخير في ترتيب المعاني.» و قد اكتفى الفارابي بهذا المقدار من التصريح الفلسفي، غاضّا النظر عن بنائه الفكري الذي ينحو فيه نحو الاثنينية أكثر منه نحو الوحدة، بسبب ما وجدنا لديه من التقابل بين ما هو عقلي محض، و ما هو حسيّ يرتبط بالمادّة ارتباطا وثيقا، تتوسطهما نظرية الفيض كوسيلة لتفسير عملية الإيجاد فحسب.
و يأخذ الحديث لديه عن الفلك عدّة فقرات غير متتابعة من «تعليقاته»، مشيرا فيها إلى أنّ الفلك في حركته يتصور الغاية، أمّا نحن فلا نتصورها. و أنّ تعلّقه (بالأوّل) يشبه الوجد الذي يحسّ به الإنسان في حال التخيّل. و أنّه أيضا يعقل الأشياء أولا ثم يتخيّلها، و الإنسان عكسه، يتخيّل الشيء ثم يتعقّله! ..
أجل، يتحدث الفارابي عن الفلك كما لو كان من الأحياء المتحركة المدركة، بل يرى إنّه يفوق في إدراكه إدراك كلّ حيّ على وجه هذه الأرض! .. فهو في «تعليقاته» هذه يعتبره كاملا في كلّ شيء إلّا في وضعه و أينه. و أنّ حركته هي كماله؛ فهي فيه كالثبات في المكان الطبيعي للأجسام المتحركة. و ينزع الفلك دوما إلى التشبّه (بالأوّل) بغية الشعور بالتسامي دائما. أمّا الغرض في حركته فهو حفظ طبيعة الحركة فحسب، و هي واحدة بالاتصال و الدوام.