الاعمال الفلسفية - الفارابي، أبو نصر - الصفحة ٦٧ - ١ - التعريف العام بالتعليقات
و في الحديث عن هذه الموجودات المتعالية؛ يذهب أبو نصر إلى أنّ الأجزاء السماوية و الكواكب جميعها تتحرّك على مراكزها في أفلاكها المخصّصة لها باستمرار، مع حال من التخيّل العميق، بحيث لو كانت نفوسنا تتخيّل بقوّة الكواكب و الأفلاك لكانت مطابقة لجميع ما يحدث و يكون! فهي تتخيّل الأشياء تخيّلا يؤدي إلى حدوث أشياء أخر، أو كما يقول الفارابي: «قد يكون تخيّلها سببا لإيقاع تخيّلات في نفوسنا تبعثنا على فعل أشياء، و قد نتخيّل الأشياء فتصير سببا لأمور طبيعية.»- و يتميّز خيال هذه الأجرام بأنّه لا يستعين بالمحال و لا يكون كاذبا. أمّا ما نلحظه من الاختلاف أو التباين الذي يقع في تخيّلنا أحيانا؛ فسببه (القابل) لأنّ له الاستعداد في قبول الفاسد من المزاج و الفاسد من التركيب. بينا لا نجد هذه المفارقة في تخيّل الكواكب و الأفلاك لأنّها تمتلك (قابلا) نقيّا لا شائبة فيه، فهي- كما يقول الفيلسوف- «لا تتخيّل إلّا الواجبات دون المحالات. و أما الفاعل، و هو العقل الفعّال المفيض عليه التعقّل (أي التخيّل) فهو واحد، فلا يكون من قبله خلاف في المتخيّلات».
و أيّا ما كان من أقوال الفارابي عن الأفلاك؛ فيستحسن الآن الإشارة إلى آراء أخرى وردت في «تعليقاته»- منها حديثه عن (الجنس) و (الفصل) و كونهما يعقلان معان مختلفة لها لوازمها الخاصّة؛ فما كان منها في حال المشاركة يسمّى جنسا، و ما كان في حال المباينة يسمّى فصلا. فهل هي إذن لوازم لا مقوّمات؟ أجل؛ إنّها- كما يقول الفيلسوف- «لوازم بالإضافة إلى المعاني التي التقط منها هذه اللوازم، و هي مقوّمات للمعنى العام من حيث المفهوم».
- مؤكدا في ذات الوقت أنّ المعاني العامّة لا وجود لها في الأعيان