الاعمال الفلسفية - الفارابي، أبو نصر - الصفحة ٥ - تصدير
تصدير
يظل الفارابي- و قد مضى على رحيله عن الدنيا عشرة قرون من الزمان- يمثّل الصورة النقية الرائعة للفكر الفلسفي في الإسلام، فهو حقا كما قال عنه الأستاذ الرئيس ابن سينا: «يكاد أن يكون أفضل من سلف من السلف؛ حيث لا يجري مع القوم في ميدان.»- فأعماله الفلسفية تعتبر اللبنات الاولى لوحدة الفكر العربي؛ تتميّز باجتهاد العقل نحو الحكم المنطقي، سواء أصاب هذا الحكم الحقيقة أم أخطأها؛ فهو اجتهاد في الحالين. سلك فيه الفارابي طريق التوفيق بين المنهجين السالكين في الفكر؛ و أعني بهما برهان الإنّية و برهان اللمّية، فارتسما معا في جدله النازل و جدله الصاعد، و في بناء مدينته الفاضلة، فوضع بذلك الثوابت و الشروط التي ينبغي توافرها في السالك لهذا الطريق. و كان هو من أشد الناس التزاما لها و حرصا عليها؛ حيث ارتسمت معالمها الواضحة في سلوكياته و مجمل حياته العامة. و كان من أهم قواعدها قوّة التمييز و الخلق الجميل- لأنّ الفلسفة في رأيه هي الوسيلة التي ننال بها السعادة فتكون لنا قنية، و لا يحصل هذا إلّا بجودة التمييز و قوته.
و أنّنا لنزداد فهما و وضوح رؤية إذا ما حاولنا التماس طرق