الاعمال الفلسفية - الفارابي، أبو نصر - الصفحة ١٤ - ١ - التخطيط و التنظيم
هذه المرحلة أنّ محاولة تحقيق الكمال لا تتم إلّا إذا تيسّرت له مجاورة أناس آخرين و اجتماعه بهم، و هذا أمر طبيعي و فطري فيه ...
و عندئذ يبرز علم جديد هو العلم الإنساني، يسلك فيه ذات المسلك و المنهج اللذين سلكهما سابقا. و يفحص فيه عن الغاية التي لأجلها وجد الإنسان- و المقصود بالغاية هنا هو الكمال- و كيف يمكنه الوصول إليها، و ما هي الأمور التي تعوقه دون اقتنائها ...
و في تدرجه هذا سيظهر علم آخر هو العلم المدني؛ و المقصود منه «علم الأشياء التي بها أهل المدن بالاجتماع المدني ينال السعادة كل واحد بمقدار ما أعدّ له بالفطرة» و هو إلى حدّ كبير شبيه باجتماع الأجسام في جملة العالم كما يقول الفارابي- فكأن الفيلسوف هنا يضع للعالم صفتين: طبيعية و اجتماعية، و بين الصفتين تناسق و تلاحم و ترتيب، و تتمثل الصفة الأخيرة بالمجتمعات و الأفراد و يمثّل الإنسان فيها عالما صغيرا من هذا الكون! و يستطرد الفارابي في حديثه عن نوعين من القوانين الاجتماعية: ما هو قابل للثبات و عدم التبدل، و ما هو خاضع للتبدل في مدد يسيرة. و كل ذلك يخضع للفاعل من جهة، و للإرادة من جهة أخرى. و مثال الأول الإنسان نفسه، و مثال الثاني صفاته كالعفّة و اليسار و ما يشبه ذلك. و كل هذا يخضع للقوة الفكرية التي لها القدرة على الاستنباط لما هو أنفع و أكثر خيرا في الحقيقة، سواء للفرد أو لأمة أو لمدينة، و الأنفع هنا بالضرورة هو لغاية فاضلة.
و ما كان من هذه القوة الفكرية يمتلك القدرة على الثبات و عدم التبدل السريع، كان أقرب إلى أن يكون قدرة على وضع النواميس. و ما كان يخضع للتبدل في مدد قصار كان أقرب إلى أن