الاعمال الفلسفية - الفارابي، أبو نصر - الصفحة ١٥ - ١ - التخطيط و التنظيم
يكون قدرة على أنواع التدبيرات الجزئية و الزمنية المختلفة.
و للفضيلة الفكرية هذه أجزاء و أقسام رأينا أن يطّلع عليها القارئ الكريم خلال النص المحقّق دون الإشارة إلى تفاصيلها.
و عود إلى القوة الفكرية الأولى (التي تتميّز بعدم التبدل السريع)، فإن فضائل هذه القوة تكون أكمل رئاسة و أعظم قوة من القوة الفكرية التي تخضع للتبدل و التغيّر المتلاحقين. و تكون الأولى منهما هي التي لا تتقدمها فضيلة أصلا، و تتلوها الفضائل الأخرى بجدل نازل (و كل ما هو جدلي يخضع لعالم الحسّ كقاعدة عامة في الفلسفة قديما و حديثا)- و تتساوق هذه الفضائل المختلفة مع أفعالها الصناعية بما هو أنفع و أجمل، سواء كان أجمل في المشهور أو أجمل في ملّة ١ معينة، أو أجمل في الحقيقة. و الفضيلة الرئيسة من هذه تكون عادة تابعة للفضيلة النظرية.
و يثير الفارابي هنا فكرة الفطرة أو الطبيعة، مؤكدا فحوى القول المأثور: «كل ميسّر لما خلق له» بحيث دفع به هذا الأمر إلى تبني دعاوة أن الملوك ليسوا هم ملوكا بالإرادة فقط بل بالطبيعة أيضا! و الأمر كذلك بالنسبة إلى الخدم؛ و معنى هذا أن الفضائل الفكرية العظمى، سواء ما كان منها خلقيا أو عمليا، تحصل عادة فيمن أعدّ لها بالطبع- و من أعدّ لها بالطبع و بالدرجة العالية، فهو قادر على إيجادها في الأمم و المدن؛ و ذلك بسبيلين يستعملهما في تحقيق هذا الأمر هما: التعليم و التأديب- و يبدأ الفارابي، في هذه المرحلة، شرح دلالة التأديب و صفات المؤدب و وسائل التعليم و طرائق استعمالها، سواء ما كان منها عن طريق الإقناع أو عن