الاعمال الفلسفية - الفارابي، أبو نصر - الصفحة ٦٢ - ١ - التعريف العام بالتعليقات
و لتوضيح هذا السبيل الذي سلكه الفيلسوف؛ نعرض للقارئ بعضا ممّا تطرق إليه الحكيم في هذه «التعليقات»؛ حيث تحدّث، أول ما تحدث، عن المبدع الأول الذي صدرت عن ذاته جميع هذه الموجودات؛ صدور فيض بإرادته و قدرته، و هذه الإرادة هي بعينها عنايته و رضاه. أمّا العقول الفعّالة فتأتي في الرتبة الثانية بعد الأول- و هكذا تتلاحم موجودات الكون ابتداء من المبدع حتى عالم المادّة أو الهيولى، مترتبة حسب أشرفها منزلة؛ و معنى الأشرف هنا هو الأقدم في ذاته؛ حيث لا يصحّ وجود تاليه إلّا بعد وجود مقدمه.
و يتمثّل في هذا الكون كمالان: الأوّل منهما هو ما يحتاج إليه الشيء في وجوده، و أمّا الثاني فهو ما لا يحتاج إليه الشيء في بقائه و وجوده. و يدور الكون بين هذين المحورين من الكمالين صعودا و هبوطا؛ سواء ما كان منه في الطبيعة المتحرّكة، أو ما هو فائق عليها و لا يندرج تحت مفهومي الكون و الفساد.
و أيّا ما كان، فإنّ أوّل مراتب الإدراك في هذا العالم هو للنفس الإنسانية؛ حيث تدرك الصور المحسوسة بحواسّها، و تدرك الصور المعقولة بوساطة صورها المحسوسة، و فرق بين إدراكها هذا و إدراك الكائنات المجرّدة التي تقتنص صورها المعقولة من أسبابها و عللها التي لا تتغيّر. و من هنا فإنّ الفارابي يقرّر، و بشكل واضح، أنّ حصول الإنسان على معرفته هذه لا يتمّ إلّا بطريق حسيّ و تجريبي. و تلك حقا نظرة واقعية تميّزت بها بعض الفلسفات القديمة و منها الفكر الفلسفي في الإسلام.
و ممّا زاد في تأكيد هذا الجانب العلمي عند الفارابي التزامه