الاعمال الفلسفية - الفارابي، أبو نصر - الصفحة ٣٧ - ١ - التعريف العام بالكتاب و غاياته
أنفسهم فعل الجميل- و ترك القبيح باستعمال اللّذة و الأذى؛ فإنّ الأخفى منها و الأظهر عندهم بمنزلة واحدة» باعتبار أنّ بعض اللّذات أعرف لنا، و نحن أشدّ إدراكا لها، و بعضها الآخر أخفى و نحن أقلّ إدراكا لها؛ سواء في الطبع أو العاقبة.
و جودة التمييز تتفرع في هذه المرحلة إلى صنفين: صنف ينبغي أن يعلم و ليس شأنه أن يفعله إنسان في الوجود، و صنف شأنه أن يعلم و يفعل مع تلازم فيه بين العلم و العمل معا- و هذا الأخير يحصل لنا بصنائع تكسبا علم ما يعمل و القوّة على عمله، و يتصف بأنّ له قصده الإنساني الذي يتمثّل بثلاث شعب هي: اللذيذ و النافع و الجميل- و النافع؛ إمّا ينفع في اللّذة و إمّا ينفع في الجميل.
فالصنائع إذن صنفان أيضا: صنف مقصوده تحصيل الجميل، و صنف مقصوده تحصيل النافع.
و يقرّر الفارابي هنا أنّ الصناعة التي مقصودها تحصيل الجميل فقط هي التي تسمّى (الفلسفة) أو الحكمة على الإطلاق- و أنّ الجميل هذا يتفرع إلى قسمين:
(أ)- علم فقط؛ و هو الفلسفة النظرية و تشمل موضوعات التعاليم و الطبيعة و ما بعد الطبيعة.
(ب)- علم و عمل؛ و هو الفلسفة العملية و المدنية و السياسية.
و يمسك الفيلسوف، في ضوء هذا التقسيم، بالصنف الذي تصدر عنه الأفعال الجميلة و القدرة على أسبابها؛ بحيث تعود هي قنية لنا، و ينعتها الفارابي ب «الصناعة الخلقية» مؤكدا أنّ الطريق إليها يمرّ عبر الفلسفة، و الفلسفة تحصل بجودة التمييز، و جودة التمييز تحصل