الاعمال الفلسفية - الفارابي، أبو نصر - الصفحة ٢٢ - ٢ - هوية الكتاب
و الاستغراب بحيث قد يضل الطريق إلى معرفة المنهج الذي سلكه الفارابي في هذا السبيل، بل قد يقع المحقّق لهذه الرسائل و الكتب في الأحكام المبتسرة التي لا تقود حقا إلى معرفة مواقعها و زمن تدوينها.
و من هنا فسوف نعتمد الحسّ النقدي في هذا الحكم مجتهدين في الرأي قدر ما تسعفنا وسائلنا الحاضرة.
و في ضوء هذا الذي ذكرنا، فإننا نعتقد أنه من المهم جدا أن تظهر مؤلفات أبي نصر بنشرات تحقيقية دقيقة، يلتزم فيها الباحثون جانب الدراسة التاريخية، و الفكرية، و الفكرية و الفيلولوجية، ممّا سيساعد كثيرا على فهم فلسفته و يكشف لنا الغايات التي دفعت الفيلسوف إلى غلبة التكرار في بعض رسائله المتشابهة، و يوضّح لنا تطوره الفكري في بغداد و حرّان و دمشق. و من ثمّة استكشاف المنهج المنطقي الذي وضعه صاحب المنطق و حوّره الفارابي في تعليقاته و شروحه و تلخيصاته.
و جدير بالذكر في هذا المجال. إننا نميل إلى أنّ مؤلفات الفارابي السياسية و الاجتماعية تأتي بعد مجموعته المنطقية المعروفة (أعني شروحه المطولة) فهي إذن- أقصد كتبه السياسية و الاجتماعية- لا تبدأ بظهوره الفلسفي بل هي، في تصورنا، متأخرة عن بواكيره الأولى و قد يرتفع بعضها إلى مرحلة شموخه الفلسفي، و يصل البعض الآخر إلى نهايات أيامه على سطح هذه المعمورة ٩. و رأينا هذا متأت من أننا نتبنى أصلا الفكرة التي ترى أن محاولة الفارابي في الإصلاح السياسي ظهرت عند ما لمس الفيلسوف انهيار القاعدة الإسلامية و وسائل الحكم فيها، و تفشي الغدر السياسي في المجتمع آنذاك مما جعله يربط بين تأثراته العامة بالإنجاز الأفلاطوني في هذا السياق، و بين قيم التعاليم الإسلامية التي لم يسبق تطبيقها فعلا و إنما