شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٩٢ - «الشرح»
..........
ذلك لأنّ الصنائع البشريّة إنّما تحصل بعد أن ترسم في الخيال صورة المصنوع، و تلك الصورة تحصل تارة عن مثال خارجي يشاهده الصانع و يحذو حذوه و تحصل تارة بمحض الإلهام و الاختراع فإنّه كثيرا ما يفاض على أذهان الأذكياء صور الأشكال لم يسبقهم إلى تصوّرها غيرهم فيتصوّرونها و يبرزونها في الخارج، و كيفيّة صنع اللّه تعالى للعالم و جزئيّاتها و نظام وجوداتها منزّهة عن الوقوع على أحد هذين الوجهين أمّا الأوّل فلأنّه تعالى شأنه لا قبل له و كان و لم يكن معه شيء، فلا يكون مصنوعاته مسبوقة بأمثلة من صانع آخر عمل هو بمثل صنع ذلك الآخر، و أمّا الثاني فلأنّ الفاعل على وفق ما الهم به و إن كان مخترعا مبتدعا في العرف لكنّه في الحقيقة مفتقر إلى الغير الّذي هو المخترع و المبتدع، و إنّما الفاعل يفعل على وفق ما حصل في ذهنه من الشكل و الهيئة و هما مستفادان من ذلك الغير و اللّه سبحانه منزّه عن الصنع بهذا الوجه أيضا لعدم احتياجه إلى الغير
(بقدرته و حكمته)
(١) أي فاطر الأشياء و مبتدعها بمجرّد قدرته القاهرة على وفق ما تقتضيه حكمته البالغة من كمال نظام العالم و تمام مصالح الخلق و حدود الأشياء و مقاديرها و أشكالها و نهاياتها و آجالها و غاياتها و منافعها و كيفيّاتها، و فيه تصريح بأنّ صدور تلك الآثار عنه بطريق الاختيار دون الايجاب لأنّ الايجاب ينافي القدرة و أيضا صدور الحادث عن القديم بطريق الايجاب يوجب تخلّف المعلول عن تمام علّته حيث وجدت العلّة في الأزل دون المعلول
(لا من شيء)
(٢) أي لا من مثال سابق يكون بمنزلة المنتسخ أولا من أصل أزليّ من مادّة و صورة
(فيبطل الاختراع)
(٣) ضرورة أن خلقها من شيء ليس اختراعا هذا خلف مع لزوم النقص في قدرته لاحتياجه في التأثير إلى غيره
(و لا لعلّة)
(٤) أي لا لعلّة غائية تعود إليه سبحانه مثل الاستيناس بتلك الأشياء لرفع وحشة، و الاستعانة بها لدفع شدّة، و الاستغاثة بها في دفع محنة، أولا لصورة فائضة عليه من الغير و باعثة على الإيجاد و سمّاها علّة لانّها بمنزلة العلّة الغائية في البعث على الفعل
(فلا يصحّ الابتداع)
(٥) أمّا على الأوّل فلأنّ الصّانع لنفع يعود إليه كان ناقصا في حدّ ذاته مفتقرا إلى غيره و كلّ ناقص مفتقر مخلوق و من البيّن أنّ المخلوق ليس مبتدعا لجميع الخلائق، و أمّا على الثاني فلأنّ الفاعل لشيء