تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٩٧ - صفر صفر
في البَطْنِ، يقال: صُفِرَ فهو مَصْفُورٌ .
و الصَّفَرُ : النَّسِيءُ الذي كانوا يَفْعَلُونَهُ في الجَاهِلِيَّة، و هو تَأْخيرُهُم المُحَرَّم إِلى صَفَرَ في تحريمه، و يَجْعَلُونَ صَفَراً هو الشَّهْرَ الحَرَامَ، و منه ١٦- الحديث : «لا عَدْوَى و لا هَامَةَ و لا صَفَرَ » . قاله أَبو عُبَيْد [١] .
أَو مِنَ الأَوَّلِ؛ لزَعْمِهِمْ أَنَّه يُعْدِي ، قال أَبو عُبَيْدٍ أَيْضاً، و هو الذي رَوَى هََذا الحديث: إِن صَفَرَ : دوابُّ البَطْنِ [٢] .
و قال أَبو عُبَيْدةَ: سَمِعْتُ يُونُسَ سأل رُؤْبَةَ عن الصَّفَرِ ، فقال: [هو] [٣] حَيَّةٌ تكونُ في البَطْنِ تُصِيبُ الماشيَةَ و الناسَ، قال: و هي[عندي] [٤] أَعْدَى من الجَرَبِ عند العَرَب.
قال أَبُو عُبَيْد: فأَبْطَلَ النبيُّ صلى اللّه عليه و سلّم أَنّهَا تُعْدِي، قال:
و يقال: انها تَشْتَدُّ على الإِنسانِ و تُؤْذِيه إِذا جاعَ، قال الأَزهرِيّ: و الوجهُ فيهِ هََذا التفسير.
و في كلام المصنّف تأَمُّلٌ بوجوه:
الأَوّل: أَنّه أَشارَ إِلى مَعْنًى لم يَقْصدوه، و هو اجْتمَاعُ الماءِ الأَصفرِ في البَطْن الذي عَبّر عنه بالدّاءِ.
و الثاني: أَنّه قَدَّم الوَجْهَ الذي صُدِّرَ بقِيلَ، و أَخَّرَ ما صَوَّبَه الأَزهريُّ و غيرُه من الأَئِمَّة.
و الثالث: أَنه أَخَّرَ قولَه أَودُود... إِلخ، فلو ذَكَرَه قَبلَ قوله: «و تأْخير المُحَرّم» لأَصَاب، كما لا يَخْفَى.
و لأَئمَّة الغَريب و شُرّاحِ البُخَارِيّ في شَرْح هََذا الحديثِ كلامٌ غيرُ ما ذَكَرَه المصنِّف هنا، و كان يَنْبَغِي التّنْبيهُ عليه؛ ليكون بَحْرُه مُحِيطاً للشَّوارِدِ، بَسيطاً بتكميلِ الفَوَائِدِ.
و الصَّفَر : العَقْلُ. و الصَّفَر الفَقْدُ [٥] ، هََكذا بالفَاءِ و القاف في النُّسخ، و في اللّسَان بالعَيْن و القاف.
و الصَّفَرُ : الرُّوعُ و لُبُّ القَلْبِ و منه قولهم: لا يَلْتاطُ هََذا بصَفَرِي ، أَي لا يلَزْق بِي، و لا تَقْبَلُه نَفْسِي. و قال الزَّمَخْشَرِيّ: تقول ذََلك إِذَا لمْ تُحِبَّه، و هو مَجَاز.
و الصَّفَرُ : حَيَّةٌ في البَطْنِ تَلْزَقُ بالضُّلُوعِ فتَعَضُّهَا ، الواحدُ و الجميعُ في ذََلك سواءٌ، و قيل: واحدَتُه صَفَرَةٌ ، و به فَسّر بعضُ الأَئمَّة الحَديثَ المتقدّم، كما تقدَّمَتِ الإِشَارَةُ إِليه.
أَو دَابَّةٌ تَعَضُّ الضُلُوعَ و الشَّرَاسِيفَ قال أَعْشَى باهلَةَ يَرثِي أَخاه:
لا يَتَأَرَّى لما فِي القِدْرِ يَرْقُبُه # و لا يَعَضُّ على شُرْسُوفِهِ الصَّفَرُ
هََكذا أَنشَدَه الجَوْهَرِيّ، و قال الصّاغانيّ: الإِنْشَادُ مُدَاخَلٌ، و الرِّواية:
لا يَتَأَرَّى لِمَا فِي القِدْرِ يَرْقُبُه # و لا يَزالُ أَمامَ القَوْمِ يَقْتَفِرُ
لا يَغْمِزُ السَّاقَ من أَيْنٍ و لا نَصَب # و لا يَعَضُّ على شُرْسُوفِه الصَّفَرُ
أَودُودٌ يكون في البَطْن و شَرَاسيفِ الأَضْلاع، فيَصْفَرُّ عنه الإِنسانُ جِدًّا، و ربّمَا قَتَلَه، كالصُّفَار بالضَّمِّ. و الصَّفَرُ : الجُوعُ ، و به فَسَّرَ بعضُهُم قوَلَ أَعْشَى باهِلَةَ الآتي [٦] ذكره.
و صَفَرٌ : الشَّهْرُ الذي بَعْدَ المُحَرَّمِ ، قال بعضُهُمْ: إِنما سُمِّيَ [٧] لأَنهم كَانُوا يَمْتَارُونَ الطَّعَامَ فيه من المَوَاضِع، و قيل: لإِصْفار مَكَّةَ من أَهْلِهَا إِذا سافَرُوا، و رُوِيَ عن رُؤْبَة أَنّه قال: سَمَّوُا الشَّهْرَ صَفَراً ؛ لأَنّهُم كانوا يَغْزُونَ فيه القَبَائلَ، فيَتْرُكُون مَنْ لَقَوْا صِفْراً من المَتَاعِ، و ذََلِك أَنّ صَفَراً بعد المُحَرَّم، فقالوا: صَفِرَ الناسُ مِنّا صَفَراً ، و قد يُمْنَعُ. قال ثعلب: النَّاسُ كلُّهُم يَصْرِفُونَ صَفَراً إِلاّ أَبا عُبَيْدة، فإِنه قال: لا يَنْصَرِفُ، فقيل له: لمَ لا تصْرِفُه فإِن النّحويينَ قد أَجْمَعُوا على صَرْفِه، و قالوا: لا يَمْنَعُ الحَرْفَ من الصَّرفِ إِلا عِلَّتَانِ، فأَخْبِرْنا بالعِلَّتَيْن فيه حتَّى نَتَّبعك،
[١] في التهذيب و اللسان: أبو عبيدة.
[٢] عبارة التهذيب: قال أبو عبيد: فسر الذي روى الحديث أن الصفر:
دواب البطن.
[٣] زيادة عن التهذيب، و في اللسان: هي.
[٤] زيادة من التهذيب.
[٥] في القاموس: «العقد» .
[٦] كذا، و الصواب «المتقدم ذكره» .
[٧] اللسان: سمي صفراً.