تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٢٩٥ - غدر غدر
و أَراد بأَصْحاب النُّحْصِ قَتْلَى أُحُدٍ أَو غَيْرَهُم [١] من الشهداءِ.
و الغُدْرَة ، بالضّمّ و الكَسْر: ما أُغْدِرَ من شَيْءٍ ، أَي تُرِكَ و بَقِيَ، كالغُدَارَةِ بالضمّ ، قال الأَفْوَهُ:
في مُضَرَ الحَمراءِ لَمْ يَتَّرِكْ # غُدَارَةً غَيْرَ النساءِ الجُلُوسْ
و كذََلِكَ الغَدَرَةُ و الغَدَرُ ، محرَّكَتَيْن ، يُقَال: عَلَى بَنِي فُلانٍ غَدَرَةٌ من الصَّدَقَةِ و غَدَرٌ ، أَي بَقِيَّةٌ. و جَمْعُ الغَدَرِ غُدُورٌ ، و ج الغُدْرَة ، بالضّمّ غُدْرَاتٌ ، بالضّمّ أَيضاً. و نقل الصاغانيّ عن ابنِ السِكّيت: يُقَال على فلان غِدَرٌ من الصَّدَقَة، بالكَسْرِ مِثَالُ عِنَب، أَي بَقَايَا منها، الواحِدَة غِدْرَة ، و تُجْمَع غِدَرَات . قال الأَعْشَى.
و أَحْمَدْتَ أَنْ أَلْحَقْتَ بالأَمْسِ صِرْمَةً # لَهَا غِدَرَاتٌ و اللَّوَاحِقُ تَلْحَقُ
انْتَهَى. و قال أَبو مَنْصُورٍ: واحِدَة الغِدَرِ غِدْرَةٌ ، و تُجْمَع غِدَراً و غِدَرَاتٍ . و رَوَى بيتَ الأَعْشَى. ففي كلام المُصَنّف نَظَرٌ مِنْ وُجُوهٍ.
و الغُدَرُ ، كصُرَدٍ: القِطْعةُ من الماءِ يُغَادِرُهَا السَّيْلُ ، أَي يَتْرُكها و يُبْقِيهَا، كالغَدِير ، هََكذا في سائر الأُصول المُصَحَّحة. و لمْ أَجِدْ أَحَداً من الأَئمةِ ذَكَرَ الغُدَرَ بمعنَى الغَدِيرِ ، مع كَثْرَة مُرَاجَعَة الأُمّهاتِ اللُّغَوِيّة. و لم أَزَلْ أُجِيلُ قِدَاحَ النَّظَر في عِبَارَة المصنِّف و مَأْخَذها حَتّى فَتَحَ اللََّه وَجْهَ الصَّواب فيها. و هُوَ أَنّا قَدَّمْنَا آنِفاً النَّقْلَ عن ابنِ السِكّيتِ و عن أَبي مَنْصُورٍ، فجاءَ المُصَنّف أَخَذَ من عِبارتَيْهما بطَرِيق المَزْجِ على عادَته، فأَخَلَّ بالمَقْصُود و لم يَدُلّ على المُرَادِ عَلَى الوَجْه المَعْهُود. فالصَّوابُ في عِبَارَته أَن يَقُول:
و الغُدْرَة ، بالضَّمّ و كِعنَبٍ: ما أُغْدِرَ من شيْءٍ، كالغُدَارَةِ بالضَّمّ، و الغَدَرَةِ و الغَدَرِ -مُحَرَّكَتَيْنِ-جمعُه غِدَرَاتٌ ، كعِنَبَاتٍ، و بالضّمّ و كصُرَدٍ، فيكون الجَمْعَانِ الأَخِيرَانِ للغُدْرَة بالضّمّ، أَو الاقْتِصارُ على الجَمْع الأَوّل كما اقْتَصَرَ غيرُهُ، ثم يقول: و الغَدِيرُ : القِطْعَة من الماءِ يُغَادِرُهَا السَّيْلُ.
هذا هو الصَّواب الذي تَقْتَضِيه نُقُول الأَئمة في هََذا المَقَامِ.
و مَن راجَعَ التَّكْمِلَةَ و اللّسَانَ زالَ عنه الإِبْهام، و اللََّه أَعلم. ثمّ قولُه ج كصُرَدٍ و تُمْرانٍ يَدُلّ على ما صوّبْناهُ و يُبَيِّنُ ما أَوْرَدْنَاه، فإِنَّ الغَدِيرَ جَمْعُه غُدْرَانٌ و غُدَرٌ كما ذَكَرَه على المَشهور صَحِيحٌ ثابِتٌ. فيُقَال: ما جَمْعُ غُدَرٍ كصُرَدٍ الذي أَوْرَدَه مُفْرَداً فيحتاج أَنْ يقولَ غِدْرانٌ بالكسر كصِرْدانٍ، أَوْ يَقُولُ إِنّهُ يُسْتَعْمَل هََكذا مُفْرَداً و جَمْعاً. و كُلّ ذََلك لم يَصِحّ و لَمْ يَثْبُت، فتأَمَّلْ. ثم ثَبَتَ في الأُصُول المُصَحَّحَةِ من النِّهَايَةِ و اللّسَان أَنَّ جَمْعَ الغَدِير غُدُرٌ ، بضمَّتَيْن، كطَرِيق و طُرُق، و سَبِيلٍ و سُبُل، و نَجِيب و نُجُب، و هو القِياسُ فيه، و قد يُخفَّف أَيضاً بالتَّسْكِين. ففي قولِ المُصَنّف كصُرَدٍ نَظَرٌ أَيضاً فَتَأَمَّلْ.
و قولُه في مَعْنَى الغَدير : القِطْعَةُ من الماءِ يُغَادِرها السَّيْلُ، قال ابنُ سِيدَه: هو قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ، فهُوَ إِذاً فَعِيلٌ في معنَى مَفْعُولٍ [٢] على اطِّراح الزائد. و قد قِيلَ: إِنّه من الغَدْرِ ، لأَنّه يَخُون وُرّادَه فيَنْضُب عَنْهُم، و يَغْدِرُ بأَهْلِه فَينْقَطِع عند شِدَّة الحاجَةَ إِلَيْه. و يُقوِّي ذََلك قولُ الكُميت:
و مِنْ غَدْرِه نَبَزَ الأَوَّلُونَ # بأَنْ لَقَّبُوه الغَدِيرَ الغَدِيرَا
أَراد: من غَدْرِهِ نَبَزَ الأَوّلُون الغَدِيرَ بأَنْ لَقَّبُوه الغَدِيرَ ، فالغَدِيرُ الأَوّل مَفْعول نَبَزَ، و الثَّانِي مفْعُولُ لَقَّبُوه. و قال اللّحْيَانيّ: الغَدِيرُ اسمٌ، و لا يُقَال هََذا ماءٌ غَدِير . و قال اللَّيْث: الغَدِيرُ : مُسْتَنْقَعُ الماءِ ماءِ المطرِ، صغيراً كانَ أَو كَبِيراً، غيرَ أَنّهُ لا يَبْقَى إِلَى القَيْظ إِلاّ ما يَتَّخِذه الناسُ من عِدٍّ أَو وَجْذٍ [٣] أَو وَقْطٍ أَو صِهْرِيج أَو حائِر. قال أَبو مَنْصُورٍ:
العِدّ: المَاءُ الدائم الذي لا انْقطاع له، و لا يُسمَّى المَاءُ الّذي يُجمَع في غَدِيرٍ أَو صِهْرِيج أَو صِنْع عِدّاً، لأَنّ العِدَّ ما [٤] يَدُومُ مِثْل ماءِ العَيْنِ و الرَّكِيَّة.
و اسْتَغْدَرَ المَكَانُ: صارَتْ فيه غُدْرَانٌ ، فالسّين هنا للصَّيْرُورَة. و من سَجَعَات الأَسَاس: اسْتَغْزَرَت الذِّهَابُ و اسْتَغْدَرَت اللِّهَابُ. قال: الذِّهْبَة: مَطْرَةٌ شَدِيدَةٌ سَرِيعَةُ الذَّهَاب. و اللِّهْبُ: مَهْواةُ ما بَيْنَ الجَبَلَيْن. و ١٤- في الحَدِيث
____________
[١] في اللسان: و غيرهم.
[٢] في الصحاح: و هو فعيل بمعنى مفَاعَل من غادره، أو مُفعَل من أغدره.
و يقال هو فعيل بمعنى فاعل لأنه يغدر بأهله أي ينقطع عند شدة الحاجة إليه.
[٣] عن التهذيب، و بالأصل: «و وجد» .
[٤] الأصل و اللسان و في التهذيب: ما دام ماؤه.