تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٢٠٣ - عذر عذر
و قال أَبو الهَيْثَمِ-في تَفْسِيرِ هََذه الآيَةِ قال-: معناه المُعْتَذِرُونَ ، يقال: عَذَّرَ يَعَذِّرُ عِذَّاراً ، في معنَى اعْتَذَرَ ، و يَجُوزُ عِذَّرَ الرَّجلُ يَعِذِّرُ فهو مُعِذِّرٌ ، و اللُّغَةُ الأُولى أَجوَدُهما، قال: و مثْلُه هدَّى يَهَدِّي هِدَّاءً، إِذا اهْتَدَى [و هِدَّى يَهِدِّى] [١] قال اللََّه عزّ و جلّ: أَمَّنْ لاََ يَهِدِّي إِلاََّ أَنْ يُهْدىََ [٢] .
قال الأَزْهَرِيّ: و قد يَكُونُ المُعَذِّرُ بالتشديد غَيْرَ مُحِقٍ ، و هم الذين يَعْتَذِرُونَ بلا عُذْرٍ .
فالمَعْنَى: المُقَصِّرُونَ بغيرِ عُذْرٍ ، فهو على جِهَة المُفَعِّل؛ لأَنّه المُمَرِّضُ، و المُقَصِّرُ يَعْتَذِرُ بغير عَذْرٍ .
و قَرَأَ ها ابنُ عَبّاسٍ رضي اللََّه عنهُمَا « المُعْذِرُونَ » بالتَّخْفِيف ، قال الأَزْهَرِيّ: و قَرَأَهَا كذََلك يَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ وَحْدَه، منْ أَعْذَرَ يُعْذِرُ إِعْذَاراً ، و كانَ يَقُولُ: و اللََّه لهََكذَا ، و في اللّسَان: لكَذَا أُنْزِلَتْ، و كان يقول: لَعَنَ اللََّه المُعَذِّرِينَ ، بالتَّشْدِيد، قال الأَزْهَرِيّ كأَنَّ المُعَذِّر عندَه إِنّمَا هو غَيْرُ المُحِقِ ، و هو المُظْهِرُ للعُذْرِ اعْتِلالاً من غير حَقِيقَةٍ له في العُذْرِ ، و بالتَّخْفِيفِ مَنْ له عُذْرٌ . و ١٧- قال محمّدُ بنُ سَلاّم الجُمَحِيُّ : سأَلْتُ يونُسَ عن قوله:
«وَ جََاءَ اَلْمُعَذِّرُونَ » فقلتُ له: المُعْذِرُونَ مخَفَّفَة، كأَنَّهَا أَقيَسُ، لأَنّ المُعْذِرَ : الذِي له عُذْرٌ ، و المُعْذِّرُ : الذي يَعْتَذِرُ و لا عُذْرَ له، فقال يونُسُ: قال أَبو عَمْرِو بنُ العَلاءِ: كلاَ الفَرِيقَيْنِ كان مُسِيئْاً، جاءَ قومٌ فعَذَّرُوا ، و جَلَّحَ آخَرُونَ فقَعَدُوا.
*و مما يستدرك عليه:
أَعْذَرَ فلانٌ، أَي كانَ مِنْهُ ما يُعْذَرُ بهِ..
و أَعْذَرَ إِعْذَاراً ، بمعنى اعْتَذَرَ اعْتِذَاراً يُعْذَرُ بهِ، و صَارَ ذا عُذْرٍ [منه] [٣] ، و منه قَولُ لَبِيدٍ يُخاطِبُ بِنْتَيْه و يقول: إِذا مِتُّ فنُوحَا و ابْكِيَا عليَّ حَوْلاً:
فَقْومَا فقُولاَ بالَّذِي قد عَلِمْتُمَا # و لا تَخْمِشَا وَجْهاً و لا تَحْلِقَا الشَّعَرْ
و قُولاَ: هُوَ المَرْءُ الذي لا خَلِيلَه # أَضاعَ و لا خَانَ الصّدِيقَ و لا غَدَرْ
إِلى الحَوْلِ ثمّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُمَا # و مَنْ يَبْكِ حَوْلاً كامِلاً فَقَد اعْتَذَرْ
أَي أَتَى بعُذْرٍ ، فَجَعَلَ الاعْتِذَارَ بمعنَى الإِعْذَارِ ، و المُعْتَذِرُ يكونُ مُحِقّاً، و يكونُ غيرَ مُحِقٍّ.
قال الفراءُ: اعْتَذَرَ الرَّجلُ، إِذَا أَتَى بعُذْرٍ ، و اعْتَذَرَ : إِذَا لم يَأْتِ بعُذْرٍ .
و عَذَرَه : قَبِلَ عُذْرَه .
و اعْتَذَرَ مِنْ ذَنْبِه، و تَعَذَّرَ : تَنَصَّلَ، قال أَبو ذُؤَيْبٍ:
فإِنّكَ مِنْهَا و التَّعَذُّرَ بعْدَ مَا # لَجِحْتَ و شَطَّتْ مِنْ فُطَيْمَةَ دَارُهَا
و التَّعْذِيرُ : التّقْصِيرُ، يقال: قام فلانٌ قِيَامَ تَعْذِيرٍ فيما اسْتَكْفَيْته، إِذا لم يُبَالِغْ و قَصَّرَ فيما اعْتُمِدَ عَلَيْه، و ١٦- في الحَدِيث : «إِنّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كانُوا إِذا عُمِلَ فيهم بالمَعَاصِي نَهَاهُم أَحْبَارُهُم تَعْذِيراً ، فعَمّهم اللََّه بالعِقَابِ» . و ذََلِكَ إِذْ [٤] لم يُبَالِغُوا في نَهْيِهِم عن المَعَاصِي و داهَنُوهُم و لم يُنْكِرْوا أَعمالَهُم بالمَعاصِي حقَّ الإِنْكَارِ، أَي نَهوْهُمِ نَهْياً قَصَّرُوا فيه و لم يُبَالِغُوا، وضعَ المصدر موضِعَ اسمِ الفاعِلِ حالاً، كقولهم: جاءَ مَشْياً، و منه ١٦- حديثُ الدّعاءِ : «و تَعَاطَى ما نَهَيْتُ عنه تَعْذِيراً » .
و قال أَبو زيد: سَمِعْتُ أَعرابِيَّيْن: تَمِيمِياً، و قَيْسِيّاً، يقولان: تَعَذَّرْتُ إِلى الرَّجلِ تَعَذُّراً ، في معنى اعْتَذَرْتُ اعْتِذَاراً ، قال الأَحْوَصُ بنُ محَمَّدٍ الأَنْصَارِيّ:
طَرِيد تَلافاهُ يَزِيدُ بِرَحْمَة # فلم يُلْفَ من نَعْمَائِهِ يَتَعَذَّرُ
أَي يَعْتَذِر ، يقول: أَنْعَم عليه نِعْمَةً لم يَحْتَجْ إِلى أَن يَعْتَذِرَ منها، و يجوز أَن يكون معنى قولِه: « يَتَعَذَّرُ » أَي يذْهب عنها.
و عَذَرْتُه من فُلانٍ، أَي لُمْتُ فلاناً و لم أَلُمْهُ.
و عَذِيرَكَ إِيايَ منه، أَي هَلُمَّ مَعْذِرَتَكَ إِيَّايَ.
[١] زيادة عن التهذيب و اللسان.
[٢] الآية ٣٥ من سورة يونس.
[٣] زيادة عن اللسان.
[٤] عن اللسان و بالأصل «إذا» .