تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ١٥٤ - طير طير
حَتَّى كأَنَّه لو وَقَعَ عليه طائِرٌ لسَكَنَ ذََلك الطّائِرُ ؛ و ذََلِك لأَنّ الإِنْسَانَ لو وَقَعَ عليه طائِرٌ فتحَرَّكَ أَدْنَى حَرَكةٍ لفَرّ [١] ذََلِك الطائرُ و لم يَسْكُنْ، و منه ١٤- قولُ بعضِ الصَّحابةِ : «إِنا كُنّا مع النّبِيِّ، صلى اللّه عليه و سلّم، و كَأَنَّ الطَّيْرَ فَوْقَ رُؤُوسِنَا» . أَي كأَنّ الطَّيْرَ وَقعَتْ فوقَ رُؤُسِنا، فنحنُ نَسْكُن و لا نَتَحَرّك خَشْيةً من نِفَارِ ذََلك الطَّيرِ . كذا في اللسان.
قلْت: و كذا قولُهم رُزِق فُلانٌ سُكُونَ الطَّائِرِ ، و خَفْضَ الجَنَاجِ.
و طُيُورُهُم سَواكِنُ، إِذا كانُوا قَارِّينَ، و عَكْسُه: شَالَتْ نَعامَتُهم، كذا في الأَساس.
و الطّائِرُ : الدِّمَاغُ ، أَنشد الفارسيّ:
هُمُ أَنْشَبُوا صُمَّ القَنَا فِي نُحورِهِمْ # و بِيضاً تَقِيضُ البَيْضَ مِن حَيْثُ طائِرُ
عَنَى بالطّائِرِ الدِّمَاغَ، و ذََلك من حيثُ قِيلَ له فَرْخٌ، قال:
و نَحْنُ كَشَفْنا عن مُعَاوِيَةَ الَّتِي # هِيَ الأُمُّ تَغْشَى كلَّ فَرْخٍ مُنَقْنِقِ
عَنَى بالفَرْخِ الدِّمَاغَ، و قد تقدّم.
و من المَجَاز: الطَّائِرُ : مَا تَيَمَّنْتَ به، أَو تَشَاءَمْتَ ، و أَصلُه في ذِي الجَنَاحِ، و قالُوا للشَّيْءِ يُتَطَيَّرُ به من الإِنسانِ و غيرِه: طائِر اللََّه لا طائِركَ . قال ابنُ الأَنْبَارِيّ: معناه فِعْلُ اللََّهِ و حُكْمُه لا فِعْلُك و ما تَتَخَوَّفُه. بالرَّفْع و النَّصْب.
وَ جَرَى له الطّائِرُ بأَمْرِ كذا. و جاءَ في الشَّرّ، قال اللََّه عزّ و جلّ: أَلاََ إِنَّمََا طََائِرُهُمْ عِنْدَ اَللََّهِ [٢] ، أَي الشّؤْمُ الذي يَلَحَقُهم [٣] هو الذي وُعِدُوا به في الآخرةِ لا ما يَنالُهم في الدُّنْيَا.
و قال أَبو عبيدٍ: الطّائِرُ عندَ العَرَبِ: لحَظُّ ، و هو الذي تُسمِّيه العَرَبُ البَخْت، إِنما قيل للحَظّ من الخَيْرِ و الشَّرِّ طائِرٌ ، لقَوْل العَرَبِ: جَرَى له الطَّائِرُ بكَذَا من الشَّرِّ، على طريق الفأَلِ و الطِّيَرَةِ ، على مَذْهَبِهم في تسميةِ الشيْءِ بما كان له سَبَباً. و قيل: الطَّائِرُ : عمل الإِنْسَانِ الَّذِي قُلِّدَهُ خَيْره و شَرّه.
و قيل: رِزْقُه ، و قيل: شَقَاوَتُه و سَعادَتُه، و بكُلٍّ منها فُسِّر قولُه تعالى: وَ كُلَّ إِنسََانٍ أَلْزَمْنََاهُ طََائِرَهُ فِي عُنُقِهِ [٤] .
قال أَبو مَنْصُور: و الأَصْل في هََذا كلِّه أَن اللََّه تعالى لمّا خَلَقَ آدَمَ عَلِمَ قَبْلَ خَلْقِه ذُرِّيَتَه أَنّه يأْمُرُهُم بتوحِيدِه و طاعَتِه، و يَنْهَاهُمْ عن مَعْصيِتَه و عَلِمَ المُطِيعَ منهم و العاصِيَ الظالِمَ لنفسِه [٥] ، فكَتَبَ ما عَلِمَه منهم أَجمعينَ و قَضَى بسَعَادَةِ مَن عَلِمَه مُطِيعاً، و شَقَاوَةِ مَنْ عَلِمَه عاصِياً، فصارَ لكُلِّ مَن عَلِمَه ما هو صائِرٌ إِليه عندَ حِسابِه [٦] ، فذََلك قوله عزّ و جلّ: وَ كُلَّ إِنسََانٍ أَلْزَمْنََاهُ طََائِرَهُ فِي عُنُقِهِ .
و الطَيَرَةُ ، بكسر ففتح، و الطِّيرَةُ بكسر الياءِ [٧] ، لغة في الذي قَبْلَه و الطّورَةَ ، مثل الأَوّل، عن ابن دُرَيْد، و هو فى بعض اللغات، كذا نقلَه الصاغانيّ: ما يَتشاءَمُ بهِ من الفَأْلِ الرّدِيءِ ، و ١٦- في الحديث : «أَنّه كانَ يُحِبُّ الفَأْلَ و يَكْرَهُ الطِّيَرَةَ » .
و ١٦- في آخَرَ : «ثَلاَثَةٌ لا يَسْلَمُ منها أَحَدٌ: الطِّيَرَةُ و الحَسَدُ و الظَّنُّ، قيل: فما نَصْنَعُ؟قال: إِذا تَطَيَّرْتَ فامْضِ، و إِذا حَسَدْتَ فلا تَبْغِ، و إِذَا ظَنَنْتَ فلا تُصَحِّحْ» [٨] .
و قد تَطَيَّرَ بهِ و مِنهُ ، و في الصّحّاح: تَطَيَّرْتُ من الشّيْءِ و بالشّيْءِ، و الاسمُ منه الطِّيَرَةُ ، مثال العِنَبَةِ، و قد تُسَكَّنُ الياءُ، انتهى.
و قيل: اطَّيَّرَ ، معناه: تَشَاءَمَ، و أَصْلُه تَطَيَّرَ .
و قيل للشُّؤْمِ: طائِرٌ ، و طَيْرٌ ، و طِيَرَةٌ ؛ لأَنّ العَرَبَ كان من شَأْنِها عِيَافَةُ الطّيْرِ و زَجْرُها، و التَّطَيُّرُ ببَارِحِها، و نَعِيقِ غُرَابِها [٩] ، و أَخْذِها ذَاتَ اليَسَارِ إِذَا أَثارُوهَا، فَسَمَّوُا الشُّؤْمَ طَيْراً و طائِراً و طِيَرَةً ، لتَشَاؤُمِهِم بها [١٠] ، ثم أَعْلَم اللََّه عزّ و جَلّ عَلى لِسَانِ رسولِه صلى اللّه عليه و سلّم أَنَّ طِيَرَتَهُم بها باطِلَةٌ، و ١٤- قال : «لا
____________
[١] عن اللسان و بالأصل «فرّ» .
[٢] سورة الأعراف الآية ١٣١.
[٣] قال الراغب في المفردات: أي شؤمهم ما قد أعدّ اللََّه لهم بسوء أعمالهم.
[٤] سورة الإسراء الآية ١٣.
[٥] نص التهذيب: و علم المطيع منهم من العاصين، و الظالم لنفسه من الناظر لها.
[٦] في التهذيب: عند إنشائه.
[٧] بهامش المطبوعة المصرية: «قوله: بكسر الياء، هكذا بخطه، و صوابه بسكون الياء كما سيأتي قريباً عن الصحاح ا هـ» .
[٨] النهاية: فلا تحقق.
[٩] التهذيب: و بنعيق غربانها.
[١٠] زيد في التهذيب: و بأفعالها.