تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ١١٢ - صور صور
هََذا جَعَلَ في الآية تَقْدِيماً و تأْخيراً، كأَنه قال: خُذْ إِليكَ أَربعةً فصُرْهُنّ .
قال اللِّحْيَانيّ: قال بعضُهم: معنَى صُرْهُنّ : وَجِّهْهُنّ، و معنَى صِرْهُنّ : قَطِّعْهُنّ و شَقِّقْهُنّ. و المعروف أَنّهما لُغَتَان بمعنىً واحدٍ، و كلُّهم فسَّرُوا « فَصُرْهُنَّ » : أَمِلْهُنّ، و الكَسْرُ فُسِّر بمعنَى قَطِّعْهُنّ.
قال الزَّجّاجُ: و من قرأَ: « فصِرْهُنّ إِليكَ» بالكسر، ففيه قولان: أَحدُهما أَنه بمعنَى صُرْهُنّ ، يقال: صارَه يَصُورُه و يَصِيرُه ، إِذا أَمالَه لُغتان [١] .
و قال المصنّف في البصائر: و قال بعضُهم [٢] : صُرَّهُنَّ- بضمّ الصّادِ، و تشديد الراءِ و فتحها-من الصَّرّ، أَي الشَّدّ، قال: و قُرِئَ فصِرَّهُنّ ، بكسر الصاد و فتح الراءِ المشددة، من الصَّرِيرِ، أَي الصوت، أَي صِحْ بِهِنَ [٣] . و الصَّوْرُ ، بالفَتْح: النَّخْلُ الصِّغَارُ، أَو المَجْتَمِعُ ، و ليس له واحدٌ من لفظه، قال أَبو عُبَيْدٍ.
و قال شَمِرٌ: ج الصَّوْرِ صِيرانٌ ، قال: و يقال لغير النَّخْل من الشَّجَر صَوْرٌ و صِيرَانٌ ، و ذَكَرَه كُثَيِّر عَزّةَ، فقال:
أَ أَلْحَيُّ أَم صِيرَانُ دَوْمٍ تَنَاوَحَتْ # بتِرْيَمَ قَصْراً واسْتَحَنَّتْ شَمَالُهَا
قلْت: و ١٧- في حديث بَدْرٍ : «أَنّ أَبَا سُفْيَانَ بَعَثَ رَجلَيْن من أَصحابِه، فأَحْرَقَا صَوْراً من صِيرَانِ العُرَيْضِ» .
و الصَّوْرُ : شَطُّ النَّهْرِ ، و هما صَوْرَانِ .
و الصَّوْرُ : أَصْلُ النَّخْلِ ، قال:
كأَنّ جِذْعاً خَارِجاً مِنْ صَوْرِهِ # ما بَيْنَ أُذْنَيْهِ إِلى سَنَّوْرِهِ
و قال ابن الأَعرابي: الصَّوْرَةُ : النَّخْلَة.
و الصَّوْرُ : قَلْعَةٌ و قال الصَّاغانيّ: قَرْيَة على جَبَلٍ قُرْبَ مارِدِينَ. و الصَّوْرُ : اللِّيْثُ [٤] ، بكسر اللام، و هو صفحَةُ العُنُق.
و أَما قول الشاعر:
كأَنَّ عُرْفاً مائِلاً من صَوْرِهِ
فإِنّه يريد شَعرَ النّاصِيَةِ.
و بَنُو صَوْرٍ ، بالفتح: بَطْنٌ من بني هِزَّانَ بنِ يَقْدُمَ بنِ عَنَزَةَ.
و الصُّورُ ، بالضم: القَرْنُ يُنْفَخُ فِيهِ ، و حكى الجَوْهَرِيّ عن الكَلْبِيّ في قوله تعالى: يَوْمَ يُنْفَخُ فِي اَلصُّورِ * [٥] : [لا أدري ما الصُّورُ ] [٦] .
و يقال: هو جمْع صُورَة ، مثل بُسْر و بُسْرَة، أَي يُنْفَخُ في صُوَرِ المَوْتَى للأَرواح، قال: و قَرَأَ الحسنُ «يوم يُنْفَخُ في الصُّوَرِ » .
[١] كذا، و لم يذكر القول الثاني.
[٢] و هو قول أبي بكر النقاش كما في المفردات للراغب.
[٣] تعميماً للفائدة قال الفخر الرازي في تفسيره للآية: فأما قوله تعالى فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ففيه مسائل:
المسألة الأولى: قرأ حمزة: فصرهن إليك بكسر الصاد، و الباقون بضم الصاد، أما الضم ففيه قولان: (الأول) : أن من صرت الشيء أصوره إِذا أملته إليه، و رجل أصور أي مائل العنق، و يقال: صار فلان إلى كذا إذا قال به و مال إليه، و على هذا التفسير يحصل في الكلام محذوف، كأنه قيل: أملهن إليك و قطعهن، ثُمَّ اِجْعَلْ عَلىََ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ، فحذف الجملة التي هي قطعهن لدلالة الكلام عليه كقوله أَنِ اِضْرِبْ بِعَصََاكَ اَلْبَحْرَ فَانْفَلَقَ على معنى: فضرب فانفلق لأن قوله ثُمَّ اِجْعَلْ عَلىََ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً يدل على التقطيع...
(و القول الثاني) و هو قول ابن عباس و سعيد بن جبير و الحسن و مجاهد (صرهن إليك) معناه قطعهن، يقال: صار الشيء يصوره صوراً، إذ قطعه، قال رؤبة يصف خصماً ألد: صرناه بالحكم، أي قطعناه. و على هذا القول لا يحتاج إلى الإضمار، و أما قراءة حمزة بكسر الصاد فقد فسر هذه الكلمة أيضاً تارة بالإمالة، و أخرى بالتقطيع، أما الإمالة فقال الفراء: هذه لغة هذيل و سليم: صار بصيره إذا أماله، و قال الأخفش و غيره (صرهن) بكسر الصاد: قطعهن، يقال:
صاره يصيره إذا قطعه، قال الفراء: أظن أن ذلك مقلوب من صرى يصرى إذا قطع فقدمت ياؤها، كما قالوا: عثا و عاث. قال المبرد:
و هذا لا يصح.
(المسألة الثانية: أجمع أهل التفسير على أن المراد بالآية:
قطعهن... و المراد بصرهن إليك: الإمالة و التمرين على الإجابة، و هو قول أبي مسلم و أنكر القول بأن المراد قطعهن، و احتج عليه بوجوده: الأول: أن المشهور في اللغة في قوله فَصُرْهُنَّ أملهن و أما التقطيع و الذبح فليس في الآية ما يدل عليه، و الثاني: أنه لو كان المراد قطعهن لم يقل إليك، فإن ذلك لا يتعدى بإلى و إنما يتعدى بهذا الحرف إذا كان بمعنى الإمالة... و الثالث: أن الضمير في قوله ثُمَّ اُدْعُهُنَّ عائد إليها لا إلى أجزائها.
[٤] في القاموس «الليث» و على هامشه عن نسخة أخرى: «و اللَّيْتُ» .
[٥] سورة الأنعام الآية ٧٣.
[٦] زيادة عن الصحاح.