الدروس شرح الحلقة الثانية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ٢٣٥ - ٢ الإجماع و نموّ القيمة الاحتمالية
إذا اتّضحت هذه الفكرة نأتي إلى تطبيقها على محلّ الكلام، فنقول: في التواتر عادةً ما تكون النكتة متعدّدة؛ لاختلاف ظروف المخبرين و نواياهم
و مصالحهم؛ فإنّ لكلّ مخبر ظروفه الخاصّة به، فيكون اشتراكهم جميعاً في الخطأ في الإخبار الذي نقلوه أبعد بحساب الاحتمال من حالة وجود نكتة واحدة دعتهم إلى ذلك.
و أمّا في الإجماع، فإنّ اجتماع مجموعة من العلماء على إخبار و فتوى معيّنة لو كان خاطئاً فإنّه يحتمل نشؤه من اجتماعهم على قاعدة معيّنة أو رواية واحدة، فالنكتة المشتركة موجودة إذاً و هي عامل مضعّف لاحتمال الصدق.
و لنمثِّل لذلك بمثال فقهيّ، فنقول: لو دخل إنسان إلى المسجد لأجل أداء الصلاة و رأى نجاسة على فراش المسجد، فحيث إنّ وجوب الإزالة فوريّ فينبغي له إزالتها، و لكنّه لو خالف و صلّى فهل تكون صلاته صحيحة؟
لعلّ الفقهاء إلى ما قبل زمن صاحب الكفاية (رحمة الله عليه) كانوا يقولون ببطلان الصلاة بالإجماع؛ لأنّه مأمور بالإزالة، و بعد الأمر بها تقع صلاته فاسدة، لأنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه، و النهي في العبادة يقتضي الفساد.
و لكن منذ زمن الميرزا النائيني (رحمة الله عليه) وُجدت فكرة الترتّب التي خدمت علم الفقه كثيراً، و بها يمكننا تصحيح الصلاة؛ إذ يمكن للشارع أن يقول للمكلّف: أزل النجاسة فإن لم تزل فصلِّ. و أمّا الإجماع المدّعى على البطلان و هو محلّ الشاهد في هذا المثال فلعلّ إجماعهم كان ناشئاً من نكتة واحدة مشتركة بينهم، و هي أنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه، و هذه النكتة المشتركة تعتبر عاملًا مضعفاً لقيمة الاحتمال في مفردات الإجماع.
فتلخّص ممّا تقدّم: أنّ نموّ الاحتمال في مفردات التواتر أسرع منه في