الاستصحاب - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٤٠٤ - الأمر الثالث هل القرعة أمارة على الواقع أم لا؟
فبين الدليلين و إن كان عموم من وجه؛ لاختصاص أدلّة القرعة بباب تزاحم الحقوق و المُنازعات كما عرفت [١]، لكن تتقدّم أدلّة الاستصحاب عليها بالحكومة، فما أفاده المُحقّق الأنصاريّ و تبعه المُحقّق الخراسانيّ: من أعميّة أدلّة القرعة من أدلّة الاستصحاب، فيجب تخصيصها بها [٢] كما ترى.
هذا كلّه بناءً على أنَّ المُراد من
«المجهول»
و
«المُشتبه»
و
«المُشكل»
الواردة في أدلّة القرعة هو ذلك بحسب الواقع، و يكون معنى قوله:
(كلّ مجهول ففيه القرعة)
[٣]. أن كلّ ما تعلّق الجهل بواقعه ففيه القرعة، فإذا دار الأمر بين كون مال لزيد أو عمرو و لم يعلم أنَّه من أيّهما ففيه القرعة، و كذا الحال في المُشتبه و المُشكل.
و هاهنا احتمال آخر قريب بعد الدقّة في مجموع الأدلّة و التتبّع في كلمات الأصحاب، و إن كان مُخالفاً لظاهر بعض الروايات الخاصّة: و هو أنَّ المُراد منها أنَّ كلّ أمر مُشكل في مقام القضاء، و مُشتبهٍ على القاضي، و مجهول فيه ميزان القضاء ففيه القرعة.
فيرجع محصّل المُراد: إلى أنَّ الامور المرفوعة إلى القاضي إذا علم فيها ميزان القضاء- أي كان لديه ما يشخّص المُدّعي و المُنكر، ككون أحدهما ذا اليد، أو قوله مُطابقاً لأصل عُقلائيّ أو شرعيّ- فليس الأمر مجهولًا عنده، و لا القضاء مُشتبهاً و مُشكلًا؛ لأنَّ البيّنة على المُدّعي، و اليمين على المُدّعى عليه.
و أمّا إذا كان الأمر الوارد عليه مجهولًا بحسب ميزان القضاء فلا بدّ من التشبّث بالقرعة لتشخيص من عليه اليمين، و تمييز ميزان القضاء، لا لتشخيص الواقع، أمّا
[١]- تقدّم في صفحة ٣٨٩ و ما بعدها.
[٢]- رسائل الشيخ الأنصاري: ٤٢٢، كفاية الاصول: ٤٩٣.
[٣]- تقدّم تخريجه في صفحة ٣٨٤.