الاستصحاب - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٣٩٢ - الأمر الثاني القول في التخصيص المستهجن لعمومات القرعة
و بالجملة: القرعة لدى العُقلاء أحد طرق فصل الخصومة، لكن في مورد لا يكون ترجيح في البين، و لا طريق لإحراز الواقع.
و يشهد لما ذكرنا: مُضافاً إلى وضوحه قضيّة مُساهمة أصحاب السفينة التي فيها يونس، فعلى نقل كانت المُقارعة من قبيل الأوّل، و العثور على العبد الآبق [١]، و على نقل كانت من قبيل الثاني؛ لأنّهم أشرفوا على الغرق، فرأوا طرح واحدٍ منهم لنجاة الباقين [٢]، و هذا أقرب إلى الاعتبار، و معلوم أنَّ مُساهمتهم لم تكن لدليل شرعيّ، بل لبناء عمليّ عقلائيّ، بعد عدم الترجيح بينهم بنظرهم.
و قضيّة مُساهمة أحبار بيت المقدس لتكفّل مريم (عليها السلام)، كما أخبر بها اللَّه تعالى إذ قال: «وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ» [٣] تدلّ على أنَّ العُقلاء بحسب ارتكازهم يتشبّثون بالقرعة عند الاختصام و عدم الترجيح، و هذه من قبيل الثاني، كما أنَّ غالب المُقارعات العُقلائيّة لعلّها من هذا القبيل، كالمُقارعات المُتداولة في هذا العصر.
و كذا يشهد لتعارفها قضيّة مُقارعة بني يعقوب [٤]، و مُقارعة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و آله) قريشاً في بناء البيت [٥]، بل مُقارعته بين نسائه [٦]، فإنَّ الظاهر أنّها كانت من جهة الأمر العُقلائيّ، لا الحكم الشرعيّ.
و بالجملة: لا إشكال في معروفيّة القرعة لدى العُقلاء من زمن قديم، كما أنَّه لا إشكال في أنّها لا تكون عندهم في كلّ مُشتبه و مجهول، بل تتداول لدى التنازع أو تزاحم الحقوق فقط.
[١]- مجمع البيان ٧: ٧١٦.
[٢]- مجمع البيان ٧: ٧١٦، تفسير البرهان ٤: ٣٦/ ٣.
[٣]- سورة آل عمران ٣: ٤٤.
[٤]- تقدّم تخريجها في صفحة ٣٩١.
[٥]- تقدّم تخريجهما في صفحة ٣٩٠.
[٦]- تقدّم تخريجهما في صفحة ٣٩٠.