الاستصحاب - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٢٤٢ - المقام الثالث وجه تقدّم أدلّة الاستصحاب على أدلّة الحلّ و البراءة الشرعيّتين
أيضاً؛ لأنَّ المُراد بعدم الحُجّة في مُقابل الحُجّة هو عدم الحُجّة على الواقع، و قد مرّ أنَّ المُراد ب
(ما لا يعلمون)
في أدلّة البراءة هو ما لم تقم حُجّة على الواقع، فغاية الاصول عدم قيام الحُجّة على الواقع، و مفاد أدلّة الاستصحاب بقاء الحُجّة قبل قيام حُجّة على الواقع، فإنَّ معنى عدم نقض الحُجّة بغير الحُجّة عرفاً هو بقاء حُجّيته إلى قيام حُجّة على الواقع، فأدلّة الاستصحاب بلسانها حاكمة على حصول غاية أدلّة الاصول، و أمّا أدلّة الاصول فلم يكن مفادها إلّا تعيين الوظيفة عند عدم قيام الحُجّة لا جعل الحُجّة على الواقع.
و أمّا ما أفاده الشيخ الأعظم في وجه التقدّم: من أنَّ دليل الاستصحاب بمنزلة مُعمّم للنهي السابق بالنسبة إلى الزمان اللّاحق، فمجموع قوله:
(كلّ شيءٍ مُطلق حتّى يرد فيه نهي)
[١] و دليل الاستصحاب بمنزلة أن يقول: «كلّ شيءٍ مُطلق حتّى يرد فيه نهي، و كلّ نهي ورد في شيءٍ فلا بدّ من تعميمه لجميع أزمنة احتماله» فيكون الإطلاق مغيّا بورود النهي المحكوم عليه بالدوام، فأدلّة الاستصحاب حاكمة عليه [٢].
ففيه: أنَّ الحكومة خصوصاً على مسلكه مُتقدّمة بلسان الدليل، فحينئذٍ لا يتمّ ما ذكره إلّا بدعوى أنَّ مفاد أدلّة الاستصحاب عدم نقض المُتيقّن، بل لا يكفي ذلك حتّى يكون المُراد من المُتيقّن هو العناوين الذاتيّة الواقعيّة كالنهي و الأمر و الوجوب و الحرمة، و قد مرّ سابقاً [٣] الإشكال في كون المُراد من اليقين المُتيقّن، و لو سلّم ذلك لكن لا يمكن المساعدة معه في كون المُراد هو العناوين الأوّليّة تأمّل.
ثمّ ذلك لا يتمّ بالنسبة إلى سائر أدلّة البراءة و هو (قدس سره) كان مُتنبّهاً لذلك لكن قال: ما كان من الأدلّة النقليّة مُساوقاً لحكم العقل فقد اتضح أمره،
[١]- الفقيه ١: ٢٠٨/ ٩٣٧، الوسائل ١٨: ١٢٧/ ٦٠- باب ١٢ من أبواب صفات القاضي.
[٢]- رسائل الشيخ الأنصاري: ٤٢٣ سطر ١٣.
[٣]- تقدّم في صفحة ٨٠.