بحوث في القواعد الفقهية - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٤٤٩ - وتطبيقها في عقد التامين انموذجا
ولا نقصر الكلام في الإحاطة والعلم بالعوضين على خصوصيّتهما أو ماليّتهما، بل الكلام في مطلق جعل التقابل بينهما، فمثلًا: في البيع عند ما يقابل بعوض مالي، معيار هذه المقابلة هي الموازنة والمساواة الماليّة، ولو بحسب اختيار المتعاقدين، ومن ثمّ فلو لم تكن مساواة بحسب الواقع لا يبطل البيع، بل غاية الأمر يثبت خيار الغبن، فالمقابلة قائمة على التوزين المالي، وهو متوقّف على معرفة العوض كي تجري فيه المعاوضة والمساومة والمساواة، فثبوت خيار الغبن لا ينافي اعتبار مانعيّة الغرر، بل يتوقّف عليها؛ إذ لا يمكن فرض الغبن وخياره إلّا مع عدم الغرر.
بيان ذلك: أنّ كلًا من المتعاقدين يوازن ويقابل العوضين عالماً بالمقابلة، وإن لم يعلم القيمة الواقعيّة، فالمقابلة معلومة في البين، ومن ثمّ تُقايَس مع القيمة الواقعيّة كي يُتبيّن وجود الغبن أو عدمه، فتصوير الغبن وعدمه مبتن على معلوميّة أصل المقابلة، وظهور الغبن لا ينافي كون البيع الواقع خالياً من الغرر؛ إذ ليس انتفاء الغرر والجهالة هو بحسب الإحاطة والعلم بذات العوض على ما هو عليه في الواقع بجميع صفاته وخصوصيّاته، بل هو بحسب أحد صفات العوض المهمّة التي يمكن ضبط بقيّة صفاته الاخرى- وإن كانت مجهولة- بها، فيكفي في تحقّق المقابلة في المعاوضات العلم بالمقابلة بحسب أحد الصفات المهمّة، فمدار انتفاء الغرر وعدمه لا ينافي وقوع الجهل بصفة الماليّة الواقعيّة، فلا ينافي تصوير خيار الغبن؛ ولذلك اشترطوا في البيع عدم الغرر مع قولهم بخيار الغبن فيه، ولم يعدّ ذلك تهافتاً لإمكان تصوّر وقوع البيع الصحيح الخالي عن الغرر الموجب