التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧٠ - أولا بين الحب والقيم المادية
هكذا ينبغي للمؤمنين وبالذات المجاهدين منهم ان يتساموا الى هذا الخلق الرفيع في تعاملهم مع بعضهم، ولن يبلغوا ذلك حتى يتجاوزوا اصعب عقبة تربوية وعملية وحضارية، تغل الافراد والتجمعات والأمم عن النهوض والارتفاع في آفاق التقدم والفضيلة، وهي عقبة النفس التي يعدها الاسلام (قرآناً وسنة) اعدى اعداء الانسان، الذي اذا انتصر عليها صار الى السعادة والفلاح. وهكذا قال ربنا: وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَاو لَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
فبالقدر الذي يسعى الانسان الى المزيد من العلم، ينبغي ان يسعى باضعافه الى تزكية نفسه وكمال اخلاقه. وانما اعتبر القرآن الوقاية من شح النفس هي الفلاح، لان شح النفس رأس كل خطيئة وانحراف في حياة البشر. فهو اساس الكفر والشك والظلم والحسد و .. و .. قال أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام: البخل جامع لمساوئ العيوب، وهو زمام يقاد به الى كل سوء
وهل انزل الله رسالاته وبعث رسله الا ليخرج الانسان من سجن شح النفس؟ وان الشحيح لايرى الّا ذاته، كما لا يرى المسجون الّا جدران زنزانته. ولكن ما هو السبيل الى التحرر من هذه التهلكة؟ انه التوكل على الله والاستعاذة من شر النفس الامارة بالسوء، والانفتاح على هدى القرآن وبصائر السنة، وتقبل نصائح الواعظين. والتعبير القرآني بليغ للغاية، اذ يقول:" يوق" مبنياً للمجهول؛ أي ان الله هو الذي يحرر الانسان، وينقذه من شح النفس ومشكلة الانسان انه يحسب السعادة تتمثل في اتباع الاهواء، واشباع شح النفس، ولكنه لايعلم ان ذلك يجعله عبداً ضعيفاً لها. أليس محب الرئاسة يتبع هوى المنصب انى اتجه، ويلخص كل كيانه فيه، حتى عواطفه وعقله وصلاته الانسانية يجعلها جميعاً وقفاً للمنصب؟
كذلك المولع بالثروة يرى الدنيا من خلالها، فلا يجد حرجاً من مسخ شخصيته الانسانية من اجل المال، فيولد انساناً متكاملًا، ويموت وهولايملك من خصائص الانسانية شيئاً. ان التحرر من حب الرئاسة، وحب الثروة، والخروج من شح النفس، جعل المؤمنين احراراً، منطلقين في رحاب الحياة، بلا قيود ولا اغلال ٤/ وبما ان الايثار قمة الفضيلة، فان بلوغها بحاجة الى عملية تربوية متواصلة، وذلك بالاستعاذة بالله سبحانه من الحرص والبخل وشح النفس .. فقد جاء في الخبر المروي