التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٠٣ - رابعا ركيزة المدنية
والحضارة القوية هي التي تقوم على دعامتي الارادة والتقدير، فاذا بابنائها يفون بعهد الله. فإذا اختاروا ديناً لا يتراجعون عن انتخابهم تحت ضغط الظروف، كما يحترمون تقدير ربهم فيحسنون الى ارحامهم ويتعاونون معهم. أما اولئك الذين ينقضون الميثاق ويقطعون الارحام، فان مصيرهم الفساد الذي قد يكون ظلماً وارهاباً، وقد يكون تشتتاً وتخلّفاً.
ومن هذه البصيرة التي نستوحيها من آيات الذكر السابقة، نستفيد الحقائق والوصايا التالية:
١/ على الانسان ان يختار قيادته الشرعية بعد تفكر وتقييم ودراسة، ثم يتمسك بها، ويفي بميثاقه وعهوده تجاهها. فان لم يفعل فاختار قيادة فاسدة، او مال مع رياح السياسة من دون انتخاب، فسوف يهوي في وادي الفساد، ويبتلى بلعنة الله التي تتمثل في البعد عن رحاب دينه وعبادته، والبعد عن جناب رحمته وبركاته. كما يبتلى بسوء الدار في الدنيا متمثلة بدار الفقر والمرض والظلم، وفي الآخرة متمثلة بالنار وساءت مصيرا.
٢/ ان المجتمع الانساني قد يفقد ولاية الله، ولكنه يتمسك بصلة الرحم، فيرحمه الله في الدنيا. ولكن اذا فقد ايضاً التراحم والتواصل، فانه ينقض آخر عروة من عرى الوحدة، فينهار في وادي الفساد ..
ومن هنا جاء في الحديث عن الامام الباقر عليه السلام، انه قال: صلة الارحام تحسن الخلق، وتسمح الكف، وتطيّب النفس، وتزيد في الرزق، وتنسيء في الأجل. [١]
٣/ من هنا ينبغي ان يتخذ الانسان عشيرته متراساً أمام غير الزمان، وتحديات الحياة. وقد جاء في الحديث المأثور عن الامام أمير المؤمنين عليه السلام: لن يرغب المرء عن عشيرته وإن كان ذا مال وولد، وعن مودّتهم وكرامتهم ودفاعهم بأيديهم وألسنتهم. هم أشدُّ الناس حيطة من ورائه وأعطفهم عليه وألمّهم لشعثه، إن أصابته مصيبة أو نزل به بعض مكاره الأمور. ومن يقبض يده عن عشيرته، فإنّما يقبض عنهم يداً واحدةً، ويقبض عنه منهم أيدي كثيرة. ومن يلن حاشيته يعرف صديقه منه المودَّة، ومن بسط يده بالمعروف إذا وجده يخلف الله له ما أنفق في دنياه ويضاعف له في آخرته. ولسان الصدق
[١] اصول الكافي/ ج ٢/ ص ١٥٢/ ح ١٢.