من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٤ - الحقوق الاجتماعية في القرآن
ويبدأ القرآن حديثه بالنهي عن علاقة الشرك، التي تعني التسليم المطلق، والأمر- بديلًا عنه- بعلاقة الإحسان فما هي هذه العلاقة؟.
إنها علاقة العطاء من اليد العليا، لا العطاء وأنت صاغر مكره، والفارق بينهما: أنك في حالة العطاء باليد العليا لم تفقد شخصيتك، ولم تتنازل عن عقلك وإرادتك واستقلالك وحريتك، أما في الصورة الثانية فإنك قد هبطت إلى درك العبودية.
إن الذين يطيعون آباءهم بعلة أنهم آباؤهم- سواء كان هؤلاء مهتدين أو ضالين- لايعقلون شيئاً، وهؤلاء ينطلقون في عبادتهم من الضعف والهزيمة، وبالتالي يفقدون صفة الإنسان، ويتحولون إلى آلة صماء تتحرك بلا إرادة.
أما الذين يحسنون لآبائهم دون أن يطيعوهم طاعة عمياء، وينفقون عليهم دون أن يتنازلوا عن حريتهم، فهم ينطلقون من موقع القوة، ويحققون أصالتهم، ويثبتون حريتهم واستقلالهم بذلك.
من هنا جاءت الكلمة الأولى في هذه الآية تقارن بين العبادة والإحسان فقالت* وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً فالعبادة لله والطاعة له، وللوالدين وسائر أبناء المجتمع الإحسان.
وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ ذوو القربى هم رحمك الذين تشترك معهم في الأسرة أو العشيرة الواحدة، فعليك أن تحسن اليهم سواء كانوا أغنياء أو فقراء ولكن دون أن تعبدهم، وهذا يعني أنه لا يجوز لك أن تربط مصيرك بمصيرهم دون استقلال فكري لأنه جاهلية وشرك، ودون أن تخالف النظام الإسلامي في تأييدك للأقارب، ولا أن تنصرهم ضد المظلومين، وتجادل عنهم في الباطل، كما يفعل الجاهليون الجدد اليوم في مجتمعاتنا الفاسدة.
إن النظام العشائري مسموح به في المجتمع الإسلامي، بشرط أن يكون إطاراً للتعاون البَنَّاء، والتفاعل الفكري والاجتماعي، دون أن يكون وسيلة للعصبية، وسحق حقوق الناس، وتجاوز قيم الرسالة.
وبعد الأقارب يأتي اليتيم، وعلى أبناء المجتمع ألا يحسبوا اليتيم فقيراً أو مسكيناً يحتاج إلى دعمهم المادي فحسب، بل عليهم أن يغدقوا عليه من حنانهم كما لو كان قريباً من أقاربهم، ولذلك فصله القرآن عن المساكين.
وفي المرحلة الثالثة يأتي المسكين وهو الذي أسكنه الفقر، ويجب أن تكون علاقتك