من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٣٥ - وحدة الرسالات الإلهية
حقيقة التبديل
يبدو لي أن تبديل حكم مثل القصاص في المجتمع يعتبر ظلماً اجتماعيًّا، لأنه يقضي على العدالة والمساواة في المجتمع، ولكن هذا التبديل إذا كان في مستوى التشريع وقام به العلماء والأمراء فهو كفر كما سبق في الآية السابقة، بينما إذا كان تبديل حكم مثل الصدق والوفاء والأمانة وسائر المواعظ الموجودة في الإنجيل، فهو فسق كما يأتي في الآيات التالية.
الإنجيل صنو التوراة
[٤٦] وأرسل الله عيسى ابن مريم (عليه السلام) يتبع آثار النبيين السابقين في خط الهي واحد لا ينحرف وصدق عيسى برسالات الأنبياء، وجاء بالمزيد منها، فمثلًا في الإنجيل الذي كان فيه- كما في التوراة- هدى يهدي الناس إلى سبيل السلام كما كان فيه نور يثير دفينة العقل، ويستجلي غبار الضمير، ويبلور قيم الفطرة، حتى يرى الناس بأنفسهم السبل التي هداهم إليها الله برسالاته.
وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ أي جعلناه يقفو ويتبع أثر الأنبياء (عليهم السلام).
مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وهذا يدل على وحدة الرسالة الإلهية، وتكاملها مع الأنبياء (عليهم السلام) وضرورة احترام أهل الكتاب وكان الإنجيل يحمل بين دفتيه تصديقاً بما تقدمه من كتب وفيما بينها التوراة، ويضرب الأمثال الواقعية ليتذكر الناس وليتعظوا وليعتبروا.
وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ إذا اتقى الفرد أولا أقل أراد أن يكون بعيداً عن الشر استمع إلى الموعظة واستفاد منها، اما الشقي فإنه يصم عن المواعظ.
[٤٧] وإذا كانت رسالات السماء واحدة مع اختلاف بسيط في التفاصيل التي بالرغم من أهميتها من الناحية التشريعية، إلا أن الأحكام اللاحقة تنسخ الأحكام السابقة لأنها أولى بالظروف المتجددة وهي بالرغم من ذلك غير هامة، إذا لاحظنا محتوى الرسالات وروحها التوحيدية، وأهدافها السامية من الإطارات والطقوس، وكذلك إذا لاحظنا هذه الحقيقة وهي أن خضوع البشر لرسالات السماء يجعله يقترب شيئاً فشيئاً إلى الإيمان بها جميعاً، فمن آمن واقعاً بروح رسالة الله الهابطة على موسى وعيسى (عليهما السلام) لايمكنه الكفر برسالة محمد (صلى الله عليه وآله)، لإنهما تصدران من منطلق واحد وتشعان من مشكاة واحدة، لذلك أمر الله أهل الكتاب باتباع رسالاتهم وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ.