من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٣٧ - حينما يقصر النظر
لعب ولهو وما الحياة الحقيقية إلا في الآخرة لمن اتقى ربه من هنا قال ربنا سبحانه وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ وهذه كما سبق- وإن قلنا- أصل الفساد الفكري عند الإنسان ..
كيف تستوعب الغيب؟
[٣٠] إذا قدمت إليك تفاحة، فأردت أن تعرفها جيداً، فلابد أنك تقلبها من أطرافها، وإذا فكرت في شراء بيت فإنك تتفقد جميع جوانبه، أما إذا أردت التعرف على حادثة اجتماعية أو ظاهرة طبيعية، فإن عليك أن تبحث عن مبتدئها ونهايتها، عن أولها وآخرها، فلرب حادثة أولها خير وعاقبتها شر، ولرب ظاهرة تبدأ نافعة وتنتهي ضارة مفسدة، والعكس صحيح، كذلك الحياة لا تعرف بنيانها، ومرسى سفينتها، وساعة قيامتها، وكل حادثة أو ظاهرة تدخل ضمن إطار الحياة تقاس هي الأخرى بهذا الميزان. أي بنهاية الدنيا. ذلك أن مصير ركاب السفينة متعلق بمصير السفينة. كذلك سفينة الحياة تتعلق بها كل الحوادث التي تقع ضمنها.
والقرآن الحكيم يدعنا أبداً نتصور نهاية الحياة لنعرف بدقة أكثر ذات الحياة، وما بها من أحداث، وبالتالي ليكون لدينا مقياس نستطيع أن نحكم بسببه على الاحداث حكماً سليماً.
والسؤال: لماذا يستخدم القرآن أسلوب التصوير في هذا الجانب؟.
الجواب: لأننا من الناحية العلمية قد نكون مقتنعين بالغيب وبالعاقبة أو حتى بالقيامة ولكن ثقل الشهود وحضور الأحداث والظواهر التي نعايشها الآن تمنعنا عن التوجه إلى الآخرة، وهنا نحتاج إلى قوة التصور لنعبر فوق جسره إلى شاطئ الغيب، هناك حيث لا يثقل أحاسيسنا حضوره الفعلي، لذلك تجد القرآن يقول هنا وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ.
إنك حين تقف فوق تل مشرفاً على رابية، يمتد بصرك إلى أبعاد الرابية وأطرافها، وتصبح وكأن الرابية ورقة في يدك.
وفي يوم القيامة حين نشهد آيات ربنا، هنا جهنم تلتهب ناراً وعذاباً، وهنالك الجنة تنبسط بنعيمها وجمالها، وهنا الميزان الحق، وهناك الكتاب الذي أحصى كل شيء. آنئذ نقف على ربنا، وتكرهنا القضايا الساخنة على الإيمان به، ويستشهدنا الله على نفسه تعالى
قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِ؟!.