من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٨٤ - الحج أيام الحرية
أما الهدي والقلائد فهذه الأشياء لا يجوز لأحد الاعتداء عليها لأنها ليست لأحد بل هي لله وللجميع، أي لكل الوافدين إلى الحج. إنها رمز الملكية الجماهيرية، إنها رمز التعاون في الاستفادة من أشياء هذه الأرض من أجل رفاه الناس جميعاً.
الحرية بين الفوضى والتحرك
ويبقى سؤال: كيف تصبح الحرية سبباً لقيام المجتمع ونحن نعلم أن الحرية قد تسبب الفوضى؟.
الجواب
أولًا: إن الحرية تعني أن كل الناس أحرار ولا يعني بالطبع أن تكون طائفة واحدة او شخص واحد فقط هو الحر. وإذا طبقنا هذه القيمة (أي الحرية للمجتمع) فإن ذلك يعني انضباط الجميع في نفس الوقت. إذ لا يجوز لأحد أن يسلب حرية الآخرين بل عليه أن يحترمها.
وهذا الاحترام المتبادل لحقوق الآخرين هو أكثر ما يوفر الانضباط والتقيد. من هنا تصبح الحرية نظاماً عادلًا ومستقراً.
معنى الحرية
ثانياً: سمى القرآن الحرية هنا بالإحرام والحرمة (البيت الحرام الشهر الحرام) وهذا يعني أن الحرية هي: الكف عن الاعتداء قبل أن يكون المطالبة بالحق.
فأنت حر إذا لم تتجاوز حقوق غيرك، والحقوق هذه يحددها الله ففي الحرم أنظمة جعلها الله، وعلى الجميع أن يلتزموا بها حتى تتوفر لهم جميعاً الحرية الكافية.
هذا هدف من أهداف الحج، ولكنه ليس كل أهدافه، إذ أن هناك قضية تزكية الذات التي لا يمكن أن تحدث إلا عن طريق وجود وازع في القلب، وهذا الوازع يأتي عن طريق إحساس كل فرد أنه مراقب من قبل الله رقابة شاملة، وبذلك يزداد شعوراً بالمسؤولية وبالتالي التزاماً بها، من هنا يقول ربنا ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
[٩٨] والله لا يراقب الناس فقط بل ويجازيهم بشدة، أو يرحمهم برحمته الواسعة، فالعبد