روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه( ط- القديمة) - المجلسي، محمد تقى - الصفحة ١٥٦ - بَابُ ابْتِدَاءِ الْكَعْبَةِ وَ فَضْلِهَا وَ فَضْلِ الْحَرَمِ
.........
______________________________
فصار مثابة لمنتجع أسفارهم، و غاية لملقى رحالهم تهوي إليه ثمار الأفئدة من مفاوز
قفار سحيقة و مهاوي فجاج عميقة و جزائر بحار منقطعة حتى يهزوا مناكبهم ذللا يهللون
لله حوله و يرملون على أقدامهم شعثا غبرا له قد نبذوا السراويل وراء ظهورهم و
شوهوا بإعفاء الشعور محاسن خلقهم ابتلاء عظيما و امتحانا شديدا و اختبارا مبينا و
تمحيصا بليغا جعله الله سببا لرحمته و وصلة إلى جنته.
(و لو أراد) سبحانه أن يضع بيته الحرام و مشاعره العظام بين جنات و أنهار و سهل و قرار جم الأشجار داني الثمار ملتف البنى متصل القرى بين برة سمراء و روضة خضراء، و أرياف محدقة و عراض مغدقة، و زروع ناضرة، و طرق عامرة (لكان) قد صغر قدر الجزاء على حسب ضعف البلاء و (و لو كان) الأساس المحمول عليها و الأحجار المرفوع بها من زمردة خضراء و ياقوتة حمراء و نور و ضياء (لخفف) ذلك مصارعة الشك في الصدور، و لوضع مجاهدة إبليس عن القلوب، و لنفي معتلج الريب من الناس و لكن الله سبحانه يختبر عباده بأنواع الشدائد و يتعبدهم بألوان المجاهد و يبتليهم بضروب المكاره، إخراجا للتكبر من قلوبهم، و إسكانا للتذلل في نفوسهم و ليجعل ذلك أبوابا فتحا إلى فضله و أسبابا ذللا لعفوه.
فالله الله في عاجل البغي و آجل وخامة الظلم و سوء عاقبة الكبر، فإنها مصيدة إبليس العظمى و مكيدته الكبرى التي تساور قلوب الرجال مساورة السموم القاتلة فما تكدي أبدا و لا تشوي أحدا لا عالما لعلمه، و لا مقلا في طمره، و عن ذلك ما حرس الله عباده المؤمنين بالصلوات، و الزكوات، و مجاهدة الصيام في الأيام المفروضات تسكينا لأطرافهم و تخشيعا لأبصارهم و تذليلا لنفوسهم، و تخفيضا لقلوبهم و إذهابا للخيلاء عنهم، لما في ذلك من تعفير عتائق الوجوه بالتراب تواضعا و التصاق كرائم الجوارح بالأرض تصاغرا و لحوق البطون بالمتون من الصيام تذللا، مع ما في الزكاة من صرف ثمرات الأرض و غير ذلك إلى أهل المسكنة و الفقر- انظروا إلى ما هذه الأعمال