المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٣٨٥ - غزوة مؤتة
و أجارت أم هانئ حموين لها، فقال النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-: «قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ» [١]، و الرجلان: الحارث بن هشام، و زهير بن أمية بن المغيرة، كما قاله ابن هشام، و قد كان أخوها على بن أبى طالب أراد أن يقتلهما فأغلقت عليهما باب بيتها و ذهبت إلى النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-.
و لما كان الغد من يوم الفتح قام- صلى اللّه عليه و سلم- خطيبا فى الناس، فحمد اللّه و أثنى عليه و مجده بما هو أهله ثم قال: «أيها الناس، إن اللّه حرم مكة يوم خلق السماوات و الأرض، فهى حرام بحرمة اللّه إلى يوم القيامة، فلا يحل لامرئ يؤمن باللّه و اليوم الآخر أن يسفك بها دما، أو يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص فيها لقتال رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- فقولوا: إن اللّه أذن لرسوله و لم يأذن لكم، و إنما أحلت لى ساعة من نهار، و قد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب» [٢].
ثم قال: «يا معشر قريش ما ترون أنى فاعل بكم؟». قالوا: خيرا، أخ كريم و ابن أخ كريم. قال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»، أى: الذين أطلقوا، فلم يسترقوا و لم يؤسروا. و الطليق: الأسير إذا أطلق. و المراد بالساعة التي أحلت له٧ ما بين أول النهار و دخول وقت العصر، كذا قاله فى فتح البارى.
و لقد أجاد العلامة أبو محمد الشقراطسى حيث يقول فى قصيدته المشهورة:
و يوم مكة إذ أشرفت فى أمم * * * تضيق عنها فجاج الوعث و السهل
خوافق ضاق ذرع الخافقين بها * * * فى قاتم من عجاج الخيل و الإبل
و جحفل قذف الأرجاء ذى لجب * * * عرمرم كزهاء الليل منسحل
[١] صحيح: أخرجه البخاري (٣٥٧) فى الصلاة، باب: الصلاة فى الثوب الواحد ملتحفا به، و مسلم (٣٣٦) فى صلاة المسافرين، باب: استحباب صلاة الضحى، من حديث أم هانئ- رضى اللّه عنها-.
[٢] صحيح: أخرجه البخاري (١٠٤) فى العلم، باب: ليبلغ العلم الشاهد الغائب، و مسلم (١٣٥٤) فى الحج، باب: تحريم مكة، من حديث أبى شريح- رضى اللّه عنه-.