المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١١٤ - ذكر حضانته- صلى اللّه عليه و سلم
قال: و رأيت لعلى بن حمزة البصرى جزءا جمع فى شعر أبى طالب، و زعم أنه كان مسلما، و أنه مات على الإسلام، و أن الحشوية [١] تزعم أنه مات كافرا، و استدل لدعواه بما لا دلالة فيه. انتهى [٢].
و لما بلغ رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- اثنتى عشرة سنة خرج مع عمه أبى طالب إلى الشام، حتى بلغ بصرى، فرآه بحيرى الراهب، و اسمه جرجيس، فعرفه بصفته فقال، و هو آخذ بيده: هذا سيد العالمين، هذا يبعثه رحمة للعالمين.
فقيل له: و ما علمك بذلك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم به من العقبة، لم يبق شجر و لا حجر إلا خر ساجدا، و لا يسجد إلا لنبى، و إنى أعرفه بخاتم النبوة، فى أسفل من غضروف كتفه، مثل التفاحة، و إنا نجده فى كتبنا، و سأل أبا طالب أن يرده خوفا عليه من اليهود.
و الحديث رواه ابن أبى شيبة، و فيه: أنه- صلى اللّه عليه و سلم- أقبل و عليه غمامة تظله.
و «بحيرى»- بفتح الموحدة و كسر المهملة و سكون المثناة التحتية آخره راء مقصورة- قال الذهبى- فى تجريد الصحابة-: رأى رسول- صلى اللّه عليه و سلم- قبل البعثة و آمن به، و ذكره ابن منده، و أبو نعيم فى الصحابة. و هذا ينبنى على تعريفهم الصحابى: بمن رآه- صلى اللّه عليه و سلم-، هل المراد حال النبوة، أو أعم من ذلك حتى يدخل من رآه قبل النبوة و مات قبلها على دين الحنيفية. و هو محل نظر، و سيأتى البحث فيه- إن شاء اللّه- فى المقصد السابع.
و خرج الترمذى و حسنه،- و الحاكم و صححه- أن فى هذه السفرة أقبل
[١] الحشوية: هو المتبعون لظاهر النصوص، و قيل: سموا بذلك لقول الحسن البصرى لما رأى سقوط كلامهم و كانوا يجلسون فى حلقته، ردوا هؤلاء إلى حشا الحلقة، أى جانبها، إلا أنها غالبا ما تطلق عند أهل البدع على أهل السنة و الجماعة، نظرا لأنهم لا يصرفون الأدلة عن ظاهرها لتأويلات ضعيفة غير سائغة، فلما رأى مخالفوهم تمسكهم بالسنة و عدم إعراضهم عنها إلى أهوائهم أطلقوا عليهم هذا الاسم.
[٢] قلت: الثابت فى الصحيح أنه مات على ملة عبد المطلب، حيث إنه قد أخذته الحمية لقومه أن يتبع دين محمد- صلى اللّه عليه و سلم-، فيعير بذلك!.