المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٨٦ - الفصل العاشر فى ذكر من وفد عليه- صلى اللّه عليه و سلم- و زاده فضلا و شرفا لديه
النعمان: و كنت فى آخر من خرج، فنظرت: و ما أفقد موضع تمرة من مكانها [١].
وفد دوس [٢]: و كان قدومهم عليه- صلى اللّه عليه و سلم- بخيبر. قال ابن إسحاق:
كان الطفيل بن عمرو الدوسى يحدث أنه قدم مكة و رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- بها، فمشى إليه رجال من قريش، و كان الطفيل رجلا شريفا شاعرا لبيبا، فقالوا له: إنك قدمت بلادنا، و هذا الرجل الذي بين أظهرنا فرق جماعتنا، و شتت أمرنا، و إنما قوله كالسحر، يفرق بين المرء و ابنه و بين المرء و أخيه، و بين الرجل و زوجه، و إنا نخشى عليك و على قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلمه و لا تسمع منه.
قال: فو اللّه ما زالوا بى حتى أجمعت ألّا أسمع منه شيئا، و لا أكلمه، حتى حشوت فى أذنى حين غدوت إلى المسجد كرسفا، فرقا من أن يبلغنى شيء من قوله.
قال: فغدوت إلى المسجد فإذا رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- قائم يصلى عند الكعبة، فقمت قريبا منه، فأبى اللّه إلا أن يسمعنى بعض قوله: فسمعت كلاما حسنا، فقلت: وا ثكل أماه. و اللّه إنى لرجل لبيب شاعر، ما يخفى على الحسن من القبيح، فما يمنعنى أن أسمع من هذا الرجل ما يقول، فإن كان ما يقول حسنا قبلت، و إن كان قبيحا تركت.
قال: فمكثت حتى أتى- صلى اللّه عليه و سلم- إلى بيته، فتبعته حتى إذا دخل بيته فقلت: يا محمد إن قومك قد قالوا لى كذا و كذا، فو اللّه ما برحوا يخوفونى أمرك حتى سددت أذنى بكرسف ألّا أسمع قولك، ثم أبى اللّه إلا أن يسمعنيه، فسمعت قولا حسنا، فاعرض على أمرك.
فعرض على رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- الإسلام، و تلا على القرآن، فلا و اللّه ما سمعت قولا قط أحسن منه، و لا أمرا أعدل منه، فأسلمت و شهدت شهادة
[١] حسن: أخرجه أحمد فى «المسند» (٥/ ٤٤٥) بسند حسن.
[٢] انظر «الطبقات الكبرى» لابن سعد (١/ ٣٥٣)، و «زاد المعاد» لابن القيم (٣/ ٦٢٤).