المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٨١ - الفصل العاشر فى ذكر من وفد عليه- صلى اللّه عليه و سلم- و زاده فضلا و شرفا لديه
فنفختهما فطارا، فأولتهما: كذابين يخرجان من بعدى، فهذان هما: أحدهما العنسى صاحب صنعاء و الآخر مسيلمة» [١].
فإن قلت: كيف يلتئم خبر ابن إسحاق مع الحديث الصحيح أن النبيّ صلى اللّه عليه و سلم- اجتمع به و خاطبه، و صرح بحضرة قومه أنه لو سأله القطعة من الجريدة ما أعطاه.
فالجواب: إن المصير إلى ما فى الصحيح أولى.
و يحتمل أن يكون مسيلمة قدم مرتين، الأولى كان تابعا و كان رئيس بنى حنيفة غيره، و لهذا أقام فى حفظ رحالهم، و مرة متبوعا، و فيها خاطبه النبيّ صلى اللّه عليه و سلم-.
أو القصة واحدة، و كانت إقامته فى رحالهم باختياره أنفة منه و استكبارا أن يحضر مجلس النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، و عامله- صلى اللّه عليه و سلم- معاملة الكرم على عادته فى الاستئلاف فقال لقومه: «إنه ليس بشركم» أى مكانا، لكونه يحفظ رحالهم، و أراد استئلافه بالإحسان بالقول و الفعل، فلما لم يفد فى مسيلمة توجه بنفسه إليه ليقيم عليه الحجة و يعذر إليه بالإنذار. و العلم عند اللّه تعالى.
و قدم عليه- صلى اللّه عليه و سلم- وفد طىء [٢] و فيهم زيد الخيل و هو سيدهم، فعرض عليهم الإسلام فأسلموا و حسن إسلامهم. و قال- صلى اللّه عليه و سلم-: «ما ذكر لى رجل من العرب بفضل ثم جاءنى إلا رأيته دون ما يقال فيه إلا زيد الخيل، فإنه لم يبلغ كل ما فيه» ثم سماه زيد الخير. فخرج راجعا إلى قومه، فلما انتهى إلي ماء من مياه نجد أصابته الحمى بها فمات [٣].
قال ابن عبد البر: و قيل مات فى آخر خلافة عمر. و له ابنان: مكنف
[١] صحيح أخرجه البخاري (٤٣٧٤) فى المغازى، باب: وفد بنى حنيفة، و مسلم (٢٢٧٣) فى الرؤيا، باب: رؤيا النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-.
[٢] انظر «السيرة النبوية» لابن هشام (٢/ ٥٧٧- ٥٧٨)، و ابن سعد فى «طبقاته» (١/ ٣٢١)، و ابن القيم فى «زاد المعاد» (٣/ ٦١٦).
[٣] أخرجه البيهقي فى «دلائل النبوة» (٥/ ٣٣٧).