المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٤٣ - الفصل السادس فى أمرائه و رسله و كتّابه و كتبه إلى أهل الإسلام فى الشرائع و الأحكام، و مكاتباته إلى الملوك و غيرهم من الأنام
الفرنج فى شفاعة، و أنه قبله و أكرمه، و قال: لأتحفنك بتحفة سنية، فأخرج له صندوقا مصفحا بذهب، فأخرج منه مقلمة من ذهب فأخرج منها كتابا قد زالت أكثر حروفه، و قد ألصقت عليه خرقة حرير، فقال: هذا كتاب نبيكم لجدى قيصر، ما زلنا نتوارثه إلى الآن، و أوصانا آباؤنا عن آبائهم إلى قيصر، إنه ما دام هذا الكتاب عندنا لا يزال الملك فينا، فنحن نحفظه غاية الحفظ و نعظمه و نكتمه عن النصارى ليدوم الملك فينا. انتهى [١].
و كتب- صلى اللّه عليه و سلم- إلى النجاشى [٢]:
(بسم اللّه الرحمن الرحيم. من محمد رسول اللّه إلى النجاشى ملك الحبشة، أما بعد: فإنى أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو، الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن، و أشهد أن عيسى ابن مريم روح اللّه و كلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة، فحملت بعيسى فخلقه من روحه، و نفخه كما خلق آدم بيده، و إنى أدعوك إلى اللّه وحده لا شريك له، و الموالاة على طاعته، و أن تتبعنى و تؤمن بالذى جاءنى، فإنى رسول اللّه، و إنى أدعوك و جنودك إلى اللّه تعالى، و قد بلغت و نصحت فاقبلوا نصيحتى، و قد بعثت إليكم ابن عمى جعفرا و معه نفر من المسلمين، و السلام على من اتبع الهدى).
و بعث الكتاب مع عمرو بن أمية الضمرى، فقال النجاشى له عند ما قرأ الكتاب: أشهد باللّه أنه النبيّ الأمى الذي ينتظره أهل الكتاب، و أن بشارة موسى براكب الحمار، كبشارة عيسى براكب الجمل، و أن العيان ليس بأشفى من الخبر عنه، و لكن أعوانى من الحبش قليل، فأنظرنى حتى أكثر الأعوان و ألين القلوب.
ثم كتب النجاشى جواب الكتاب إلى النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-:
[١] انظر «فتح البارى» للحافظ ابن حجر (١/ ٤٤).
[٢] قلت: النجاشى، لقب لكل من ملك الحبشة، و هو غير النجاشى الذي صلى عليه رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-، كما ورد فى مسلم (١٧٧٤) فى الجهاد و السير، باب: كتب النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- إلى ملوك الكفار يدعوهم إلى اللّه عز و جل، من حديث أنس- رضى اللّه عنه-.