المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٣ - مقدمة المؤلف ٢٩ المقصد الأول تشريف اللّه تعالى له- صلى اللّه عليه و سلم
حصل لك بالإخراج من الجنة كسر فأنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلى، و إن كان فاتك فى السماء زجل المسبحين فقد تعوضت فى الأرض أنين المذنبين، أنين المذنبين أحب إلينا من تسبيحهم، زجل المسبحين ربما يشوبه الافتخار، و أنين المذنبين يزينه الانكسار، «لو لم تذنبوا لذهب اللّه بكم و لجاء بقوم يذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهم» [١].
سبحان من إذا لطف بعبده فى المحن قلبها منحا، و إذا خذل عبدا لم ينفعه كثرة اجتهاده و كان عليه وبالا، لقن اللّه آدم حجته، و ألقى عليه ما تقبل به توبته، و طرد إبليس اللعين بعد طول خدمته، فصار عمله هباء منثورا قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَ إِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ [٢] إذا وضع عدله على عبد لم يبق له حسنة، و إذا بسط فضله على عبد لم يبق له سيئة.
انظر لما ظهرت فضائل آدم- عليه الصلاة و السلام- على الخلائق بالعلم، و كان العلم لا يكمل إلا بالعمل بمقتضاه، و الجنة ليست دار عمل و مجاهدة، إنما هى دار نعيم و مشاهدة، قيل له: يا آدم اهبط إلى أرض الجهاد، و صابر جنود الهوى بالجد و الاجتهاد، و كأنك بالعيش الماضى و قد عاد على أكمل من ذلك المعتاد.
و لما أظهر إبليس- عليه اللعنة- الحسد، سعى فى الأذى، حتى كان سببا فى إخراج السيد آدم من الجنة، و ما فهم الأبله أن آدم إذا خرج من الجنة كملت فضائله، ثم عاد إلى الجنة على أكمل من الحال الأول.
قالوا: و فيه إشارة، كأنه تعالى يقول: لو غفرت فى الجنة لما تبين كرمى، بأنى أغفر لنفس واحدة، بل أخرجه إلى الدنيا، و آتى بألوف من العصاة حتى أغفر له و لهم ليتبين جودى و كرمى. و أيضا: علم اللّه تعالى أن
[١] صحيح: أخرجه مسلم (٢٧٤٩) فى التوبة، باب: سقوط الذنوب بالاستغفار، من حديث أبى هريرة- رضى اللّه عنه-.
[٢] سورة الحجر: ٣٤، ٣٥.