المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٣٠٦ - غزوة الغابة
و لحق رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- الناس و الخيول عشاء، قال سلمة: فقلت يا رسول اللّه إن القوم عطاش، فلو بعثتنى فى مائة رجل استنقذت ما فى أيديهم من السرح و أخذت بأعناق القوم. فقال- صلى اللّه عليه و سلم-: «ملكت فأسجح»- و هى بهمزة قطع ثم سين مهملة ثم جيم مكسورة ثم حاء مهملة- أى فارفق و أحسن، و السجاحة: السهولة، أى لا تأخذ بالشدة بل ارفق. فقد حصلت النكاية فى العدو و للّه الحمد. ثم قال: «إنهم ليقرون فى غطفان» [١].
و ذهب الصريخ إلى بنى عمرو بن عوف فجاءت الأمداد فلم تزل الخيل تأتى و الرجال على أقدامهم و على الإبل حتى انتهوا إلى رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- بذى قرد فاستنقذوا عشر لقاح، و أفلت القوم بما بقى و هى عشر.
و صلى رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- بذى قرد صلاة الخوف، و أقام يوما و ليلة و رجع. و قد غاب خمس ليال، و قسم فى كل مائة من أصحابه جزورا ينحرونها.
سرية عكاشة بن محصن الأسدي إلى غمر مرزوق- بالغين المعجمة المفتوحة- و هو ماء لبنى أسد على ليلتين من فيد، فى شهر ربيع الأول سنة ست من الهجرة، فى أربعين رجلا، فخرج سريعا، فنذر به القوم- بكسر الذال المعجمة كفرح- فهربوا فنزلوا علياء بلادهم. فاستاقوا مائتى بعير و قدموا على رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- و لم يلقوا كيدا.
ثم سرية محمد بن مسلمة إلى ذى القصة [٢]- بالقاف و الصاد المهملة المشددة المفتوحتين- موضع بينه و بين المدينة أربعة و عشرون ميلا، فى شهر ربيع الأول سنة ست من الهجرة. و معه عشرة إلى بنى ثعلبة.
فورد عليهم ليلا فأحدق به القوم، و هم مائة رجل فتراموا ساعة من
[١] صحيح: أخرجه البخاري (٣٠٤١) فى الجهاد و السير، باب: من رأى العدو فنادى بأعلى صوته: يا صبحاه، حتى يسمع الناس، و مسلم (١٨٠٦) فى الجهاد و السير، باب: غزوة ذى قرد و غيرها، من حديث سلمة بن الأكوع- رضى اللّه عنه-.
[٢] انظر ابن سعد فى «طبقاته» (٢/ ٨٥- ٨٦)، و «شرح المواهب»، للزرقانى (٢/ ١٥٤).