المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٢٩٦ - غزوة بنى قريظة
و أرسلوا إلى رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- أن ابعث إلينا أبا لبابة- و هو رفاعة بن عبد المنذر- نستشيره فى أمرنا.
فأرسله إليهم، فلما رأوه قام إليه الرجال و جهش إليه النساء و الصبيان يبكون فى وجهه، فرقّ لهم، و قالوا يا أبا لبابة، أ ترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم، و أشار بيده إلى حلقه: إنه الذبح.
قال أبو لبابة: فو اللّه ما زالت قدماى من مكانهما حتى عرفت أنى قد خنت اللّه و رسوله.
ثم انطلق أبو لبابة على وجهه فلم يأت رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- حتى ارتبط فى المسجد إلى عمود من عمده، و قال: لا أبرح من مكانى هذا حتى يتوب اللّه على مما صنعت و عاهد اللّه أن لا يطأ بنى قريظة أبدا، و لا أرى فى بلد خنت اللّه و رسوله فيه أبدا.
فلما بلغ رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- خبره، و كان قد استبطأه قال: «أما لو جاءنى لاستغفرت له، و أما إذ فعل ما فعل، فما أنا بالذى أطلقه من مكانه حتى يتوب اللّه عليه» [١].
قال: و أقام أبو لبابة مرتبطا بالجذع ست ليال، تأتيه امرأته فى وقت كل صلاة فتحله للصلاة ثم تعود فتربطه بالجذع.
و قال أبو عمر: روى وهب عن مالك عن عبد اللّه بن أبى بكر أن أبا لبابة ارتبط بسلسلة ثقيلة بضع عشرة ليلة حتى ذهب سمعه، فما كاد يسمع، و كاد يذهب بصره، و كانت ابنته تحله إذا حضرت الصلاة، أو أراد أن يذهب لحاجة، فإذا فرغ أعادته.
و عن يزيد بن عبد اللّه بن قسيط: أن توبة أبى لبابة نزلت على رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- و هو فى بيت أم سلمة. قالت أم سلمة: فسمعت رسول اللّه
[١] انظر القصة فى «دلائل النبوة» للبيهقى (٤/ ١٦)، و ابن هشام فى «سيرته» (٣/ ١٨٨- ١٩٠).