المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٢٨٩ - غزوة الخندق
سعد: اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقنى لها، فإنه لا قوم أحب إلىّ أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك و كذبوه.
و أقام- عليه الصلاة و السلام- و أصحابه بضع عشرة ليلة. فمشى نعيم ابن مسعود الأشجعى- و هو مخف إسلامه- فثبط قومه عن قوم و أوقع بينهم شرّا لقوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «الحرب خدعة» [١] فاختلفت كلمتهم.
و روى الحاكم عن حذيفة قال: لقد رأيتنا ليلة الأحزاب و أبو سفيان و من معه من فوقنا، و قريظة أسفل منا نخافهم على ذرارينا، و ما أتت علينا ليلة أشد ظلمة و لا ريحا منها، فجعل المنافقون يستأذنون و يقولون بيوتنا عورة، فمر بي النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- و أنا جاث على ركبتى، و لم يبق معه إلا ثلاثمائة فقال:
اذهب فائتنى بخبر القوم، و دعا لى، فأذهب اللّه عنى القر و الفزع، فدخلت عسكرهم فإذا الريح فيه لا تجاوز شبرا، فلما رجعت رأيت فوارس فى طريقى فقالوا: أخبر صاحبك أن اللّه كفاه القوم.
و فى رواية: أن حذيفة لما أرسله- صلى اللّه عليه و سلم- ليأتيه بالخبر سمع أبا سفيان يقول: يا معشر قريش، إنكم و اللّه ما أصبحتم بدار مقام، و لقد هلك الخف و الكراع، و اختلفنا و بنو قريظة، و لقينا من هذا الريح ما ترون فارتحلوا فإنى مرتحل و وثب على جمله فما حل عقال يده إلا و هو قائم.
و وقع فى البخاري أنه- صلى اللّه عليه و سلم- قال يوم الأحزاب: «من يأتينا بخبر القوم» فقال الزبير: أنا، فقال: «من يأتينا بخبر القوم»، فقال الزبير: أنا، فقال: «من يأتينا بخبر القوم؟» قالها ثلاثا [٢].
و قد استشكل ذكر الزبير فى هذه.
[١] صحيح: أخرجه البخاري (٣٠٣٠) فى الجهاد و السير، باب: الحرب خدعة، و مسلم (١٧٣٩) فى الجهاد و السير، باب: جواز الخداع فى الحرب، من حديث جابر- رضى اللّه عنه-، و فى الباب من حديث أبى هريرة فى الصحيحين أيضا.
[٢] صحيح: أخرجه البخاري (٢٨٤٦) فى الجهاد و السير، باب: فضل الطليعة، و مسلم (٢٤١٥) فى فضائل الصحابة، باب: من فضائل طلحة و الزبير- رضى اللّه عنهما-، من حديث جابر- رضى اللّه عنه-.