المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٢٩١ - غزوة الخندق
ليلا فقلعت الأوتاد و ألقت عليهم الأبنية و كفأت القدور و سفت عليهم التراب و رمتهم بالحصى، و سمعوا فى أرجاء معسكرهم التكبير و قعقعة السلاح فارتحلوا هرابا فى ليلتهم و تركوا ما استثقلوه من متاعهم. قال: فذلك قوله تعالى: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها [١].
و فى البخاري عن على أن رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- قال يوم الخندق: «ملأ اللّه بيوتهم و قبورهم نارا، كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس» [٢] و مقتضى هذا أنه استمر اشتغاله بقتال المشركين حتى غابت الشمس.
و يعارضه ما فى صحيح مسلم عن ابن مسعود أنه قال: حبس المشركون رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- عن صلاة العصر حتى احمرت الشمس أو اصفرت، فقال رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-: «شغلونا عن الصلاة الوسطى» [٣] الحديث. و مقتضى هذا أنه لم يخرج الوقت بالكلية.
قال الشيخ تقى الدين بن دقيق العيد، الحبس انتهى إلى ذلك الوقت، أى الحمرة أو الصفرة، و لم تقع الصلاة إلا بعد المغرب انتهى.
و فى البخاري عن عمر بن الخطاب: أنه جاء يوم الخندق و جعل يسب كفار قريش قال: يا رسول اللّه، ما كدت أصلى حتى كادت الشمس أن تغرب فقال- صلى اللّه عليه و سلم-: «و اللّه ما صليتها»، فنزلنا مع النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- بطحان، فتوضأ للصلاة، و توضأنا، فصلى العصر بعد ما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب [٤].
[١] سورة الأحزاب: ٩.
[٢] صحيح: أخرجه البخاري (٢٩٣١) فى الجهاد و السير، باب: الدعاء على المشركين بالهزيمة و الزلزلة، و مسلم (٦٢٧) فى المساجد، باب: التغليظ فى تفويت صلاة العصر.
[٣] صحيح: أخرجه مسلم (٦٢٨) فى المساجد، باب: التغليظ فى تفويت صلاة العصر.
[٤] صحيح: أخرجه البخاري (٥٩٦) فى المواقيت، باب: من صلى بالناس جماعة بعد ذهاب الوقت، و مسلم (٦٣١) فى المساجد، باب: التغليظ فى تفويت صلاة العصر، من حديث جابر- رضى اللّه عنه-.